عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول...
[الجن: 26-27]. ولكن هناك غيب عن الناس جميعا، ولكنه لن يظل غيبا إلى آخر الزمان، فمثلا الكهرباء كانت غيبا واكتشفناها، وتفتيت الذرة كان غيبا وعرفناه، وقوانين الجاذبية كانت غيبا ثم دخلت في علم الإنسان فأصبحت معلومة له وليس هذا هو الغيب الذي يقصده الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿ عالم الغيب ﴾ ، فهذا غيب يختص نفسه به، لا تقل: إن فلانا يعلم الغيب، ولكن قل: إنه معلم غيب، والمسائل الغيبية: إما أن يحجبها الزمان أو يحجبها المكان، فالآثار المطمورة مثلا، تعبر عن شيء ماض واندثر، وفيه أخبار الأمم السابقة، ولا يعرفها أحد، وستره حجاب الزمن الماضي، إلى أن يتم الكشف عنها ويهيئ الله لها من يفك ألغازها.
أما إبلاغ الله رسوله من أنباء الأمم السابقة مما جاء في القرآن الكريم فهو اختراق لحجاب الزمن الماضي، نحو قوله تعالى:
وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون
[آل عمران: 44]. ويقول سبحانه وتعالى:
وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين * ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين
[القصص: 44-45]. وقوله سبحانه: ﴿ وما كنت ﴾ في آيات أخرى دليل على أن الله سبحانه وتعالى أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بما كان مستورا في الزمن الماضي. أما الشيء الذي سوف يحدث في المستقبل، فهو محجوب عنك بحجاب الزمن المستقبل، وقد اخترق القرآن الكريم حجاب المستقبل في آيات كثيرة كلها تبدأ بحرف السين، وحرف السين دليل على أن الشيء لم يحدث بعد، وقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]. دليل على أنه من الزمن المستقبل يكشف الله لنا عن آياته الموجودة في الأرض، وقوله تعالى:
الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون
[الروم: 1-3]. وهذا اختراق لحجاب المستقبل لأن النصر حدث بعد نزول هذه الآية بتسع سنوات. إذن: فالذي يحدث في المستقبل محجوب عنك بالزمن المستقبل، ولكن هناك شيئا يحدث في الحاضر ولا نعرفه وهو محجوب عنك بحجاب المكان، فما يحدث في مكان لست موجودا فيه لا تعرفه، فأنت إن كنت جالسا في مكة مثلا، فأنت لا تعرف ما يحدث في المدينة المنورة لأنه محجوب عنك بحجاب المكان، وهناك أيضا حجاب النفس، أي: أن ما يدور في نفسك لا يعرفه أحد غيرك لأنه محجوب بحجاب النفس. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ [التوبة: 28] فسبحانه وتعالى يخاطب قوما يريد منهم أن ينفذوا هذا الأمر، ولكنه سبحانه يعلم السرائر التي تستقبل النص. مثلما يأتي إنسان ويخبرك أن المخبز القريب من منزلك سوف يغلق فأول ما يتبادر إلى ذهنك السؤال: ومن أين سنأتي بالخبز؟ أو أن يقال لك: " إن الباخرة التي تحمل اللحم والخضروات ضلت الطريق " فأول ما يخطر على بالك لحظتها: ومن أين نأكل؟ وكان المشركون يأتون إلى الحج ومعهم أموالهم ويتاجرون وينفقون، هذه الفترة تمثل بالنسبة لمن يعيشون حول بيت الله الحرام فترة الرواج المادي الذي يعيشون عليه طوال العام.
فإذا كان الحق سبحانه وتعالى يقول لهم: ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ [التوبة: 28] فأي شيء يختلج في نفوس المسلمين؟ لا بد أن يدور في أعماقهم السؤال: ومن الذي سيشتري بضائعنا؟ لكن هل ترك الله عز وجل مثل هذا القول دون أن يرد عليه؟ لا، فقد رد على التساؤل بقوله تعالى: ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء إن الله عليم حكيم ﴾ [التوبة: 28]. وهكذا كشف الله حجاب النفس، ورد على ما سيدور في نفوس المؤمنين في نفس الآية التي حرم فيها على المشركين أن يقتربوا من المسجد الحرام، ولم ينتظر الحق سبحانه وتعالى حتى يعلن المؤمنون ما في أنفسهم، بل رد على ما يجول بخواطرهم قبل أن يعلنوه. وحين يكشف الله عز وجل حجاب النفس بهذا الشكل، فالمؤمن الذكي يقول: هذا ما جاء في بالي. ولأطمئن لأنه عرف ما بنفسي فسوف يرزقني. ولو لم يأت ذلك في بالهم لكذبوا النص. ولو كذبوا النص لما بقوا على الإيمان، وما داموا قد بقوا على الإيمان فقد جاء النص معبرا عما يجول بأنفسهم تماما. والله سبحانه وتعالى كشف حجاب النفس في آيات كثيرة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى عن المنافقين والكفار: