تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[فصلت: 20-21]. فكأن جوارح الإنسان تقول له يوم القيامة: لقد أتعبتني في الدنيا وأكرهتني على فعل أشياء لم أكن لأفعلها لأنني عابدة مسبحة لله، وإن ما أمرتني به يخرج عن طاعة الله عز وجل، وسبق أن ضربت المثل بقائد الكتيبة الذي يصدر أوامر خاطئة فيطيعه الجنود، فإذا ما عادوا إلى القائد الأعلى شكوا له مما كان قائد الكتيبة يكرههم عليه، كذلك أعضاء الجسم تشهد عليه عند خالقها يوم القيامة. فإن كنت عابدا مسبحا كانت جوارحك معك. وإن كنت غير ذلك كانت جوارحك ضدك، فاللسان مثلا عابد مسبح في ذاته، فإذا أكرهته على أن يشرك بالله فهو مكره في الدنيا، ويصير شاهدا عليك يوم القيامة. والحق سبحانه وتعالى ينادي يومئذ قائلا:

يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. وهنا يقول الحق عز وجل: ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ [التوبة: 28] أي: أن عقيدتهم الفاسدة تنضح على تصرفاتهم، وسبحانه وتعالى يربب المعاني الإيمانية في النفوس أي يزيدها، ومثال ذلك: نحن نرجم إبليس كمنسك من مناسك الحج، نرجم قطعة من الحجر رمزنا إليها بالشيطان، ونحن لا نرى الشيطان وقد وضعنا له رمزا وأرسينا في أعماقنا أن الشيطان عدو لنا ويجب أن نرجمه لنبتعد عن مراداته، وبذلك أبرزنا هذه المعاني في أمر حسي لنوضح للنفس البشرية أن الشيطان عدو لنا، وكلما وسوس الشيطان لنا بأمر نرجمه بأن نبيت لأنفسنا قضايا الإيمان الناصعة فيهرب منا. وكل منا عليه أن يتذكر أن الشيطان سوف يضحك على العاصين والكافرين في يوم القيامة، ويقول ما أورده الحق سبحانه وتعالى على لسانه:

وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي

[إبراهيم: 22]. وفي هذا القول سخرية ممن صدقوه لأن السلطان إما سلطان القهر بأن تأتي لإنسان بما هو أكبر منه وتقهره على فعل شيء بالقوة، وإما سلطان الإقناع بأن تقنع إنسانا بأن يفعل شيئا. والشيطان ليس له سلطان القهر والحجة. والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ [التوبة: 28] فإنه يوضح لنا أن نجسهم يحتم علينا أن نمنعهم من دخول الأماكن التي لا يدخلها إلا الإنسان الطاهر. وجعل الحق سبحانه وتعالى النجاسة المعنوية مثلها مثل النجاسة المادية، ولذلك قال العلماء: ما دام الحق قد وصفهم بأنهم نجس فلا بد أن يكون فيهم نجس مادي، ولذلك إذا اقتربت منهم تجد لهم رائحة غير طيبة، لأنهم لا يتطهرون من حدث، ولا يغتسلون من جنابة. وعندما ذهبنا إلى الجزائر بعد تحريرها من فرنسا، لم نجد في البيوت حمامات لأن الواحد من المستعمرين لا يذهب إلى الحمام إلا كل عشرين يوما مثلا، لذلك جعلوا الحمامات بعيدا عن المساكن، ولكن بعد أن تحررت الجزائر صار في البيوت حمامات لأن الثقافة الإسلامية مبنية على الطهارة، ويتوجب على المسلم أنه كلما دخل الإنسان الحمام تطهر، وكلما كان جنبا اغتسل.

ولقد قال البعض: لو أنني سلمت على مشرك ويده رطبة.. فلا بد أن أغسل يدي. فإذا كانت يده جافة فيكفي أن أمسح على يدي. وفي هذا احتياط وتأكيد على اجتناب هؤلاء المشركين. وإذا كنا نجتنبهم أجسادا وقوالب، ألا يجدر بنا أن نجتنبهم قلوبا؟ وقد أنزل الحق سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة في العام التاسع من الهجرة وهو العام الذي صدر فيه منع المشركين من الاقتراب من المسجد الحرام والبراءة من هؤلاء المشركين، وتساءل العلماء: هل الممنوع والمحرم هو اقتراب المشرك من المسجد الحرام، أم من الحرم كله؟ وحدد الإمام الشافعي التحريم على المشركين بالوجود في المسجد الحرام. ومع احترامنا لاجتهاد الإمام الشافعي نقول: إن الحق سبحانه وتعالى قال: ﴿ فلا يقربوا ﴾ ولم يقل: فلا يدخلوا. وتحريم الاقتراب يعني ألا يكونوا قريبين منه، وأقرب شيء للمسجد الحرام هو كل الحرم، ولو كان المراد هو المسجد فقط لمنع الحق دخولهم إليه بالنص على ذلك. وهكذا نرى كيف يمكن أن يجتهد الإنسان ويبحث في المعاني ليستخرج المضمون الحق. ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء إن الله عليم حكيم ﴾ [التوبة: 28]. وفي هذا القول الكريم حديث عن الغيب. والغيب - كما عرفنا - هو ما يغيب عنك وعن غيرك، أما الشيء الذي يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فلا يكون غيبا، فإذا سرق منك مال مثلا فأنت لا تعرف من الذي سرق، والسارق في هذه الحالة غيب عنك، ولكنه ليس غيبا عن غيرك فالسارق يعرف نفسه والذي دبر له الجريمة يعرفه، ومن رآه وستر عليه يعرفه. وأنت - أيضا - لا تعرف مكان المسروقات، ولكن السارق يعرف المكان الذي خبأها فيه. إذن: فهي غيب عنك وليست غيبا عن غيرك. وهذه لعبة الأفاقين والنصابين الذين يسخرون الجن، فما دام الشيء معروفا ومعلوما لغيرك من الناس فالكشف عنه مسألة سهلة، ولكن هناك غيبا عنك وعن غيرك، وهذا هو ما ينفرد به الحق سبحانه وتعالى في قوله سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٤٥