وسبحانه وتعالى حين يدعونا إلى بيته بالأذان، فلك أن تعلم أنك إن خالفت هذه الدعوة تعاقب، ولكن ليس معنى هذا أن الله لم ييسر لك بيته لتزوره في أي وقت. فهذه الدعوة بالأذان للصلاة تمثل الحرص من الله سبحانه وتعالى على أن يلقاك ليعطيك من فيوضاته ما تستعين به على مكدرات الحياة. ولكن إن أحببت أن تجلس في المسجد قبل الصلاة أو بعدها فافعل. تعال في أي وقت وصل كما تشاء، فإذا قلت: " الله أكبر " تكون في حضرة الله. وإن لم تستطع فصلواتك الخمس في اليوم الواحد هي القسط الضروري لصيانة نفسك المؤمنة لأنك تقابل ربك أثناء الصلاة وتعلن الولاء له. فالصلاة إذن خير أراده الله لك حتى لا تأخذك أسباب الحياة، وأراد سبحانه بها أن تفيق إلى منهجه الذي يصلح بالك، ويصلح الدنيا لك وبك فلا تأخذك الأسباب، بل تأخذ أنت بالأسباب. وحين تسمع " الله أكبر " ينادي بها المؤذن لصلاة الظهر - مثلا - فعليك أن تترك أسباب الدنيا وتذهب لتقف بين يدي الله عز وجل، ثم تخرج من الصلاة إلى الأخذ بالأسباب إلى أن تسمع أذان العصر، ثم أذان المغرب، ثم أذان العشاء، وكل هذا تذكير لك بالله الخالق العظيم حتى لا تشغلك الدنيا فتنسى أن صيانة نفسك بيد خالقك سبحانه. وأطول فترة بين العشاء والفجر نكون فيها نائمين فلا يأخذنا متاع الدنيا. إذن فالله سبحانه وتعالى يريد منا الولاء دائما. فإذا كنت تعتز بالله فأنت تديم الولاء له باستمرار الصلاة، وأنت حين تسجد لله وتتذلل له، فإنه سبحانه يزيدك عزة ويكون معك دائما، ويقيك ذل الدنيا. وقلنا قديما: إن الإنسان إذا ما أراد أن يقابل عظيما من العظماء فهو يطلب المقابلة، وقد يقبل هذا العظيم مبدأ اللقاء وقد لا يقبل، فإن قبل حدد اليوم والساعة والمكان وفترة الزيارة. فإن أردت أن تطيل فهو يقوم واقفا إعلانا بأن الزيارة قد انتهت. ولكن الحق سبحانه وتعالى بمطلق الكرم لا يعامل خلقه هكذا، فبيته مفتوح دائما حين يدعوك للصلوات الخمس، فهذا أمر ضروري، ولكن بين الصلوات الخمس إن إردت لقاء الله فسبحانه يلقاك في أي وقت وتدعوه بما تشاء، وتطيل في حضرته كما تريد، ولا يقول لك أحد: إن الزيارة قد انتهت. وأذكركم دائما بقول الشاعر:
حسب نفسي عزا بأني عبد
يختفي بي بلا مواعيد رب
هو في قدسه الأعز ولكن
أنا ألقى متى وأين أحب
ونعود إلى قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله.. ﴾ [التوبة: 17].لأن المساجد مخصصة لعباده الله تعالى، فمن غير المنطقي أن يبنيها أو يجلس فيها مشرك أو كافر، وقوله تعالى: " ما كان " أي ما ينبغي، وقوله تعالى: ﴿ شاهدين على أنفسهم بالكفر ﴾ أي هم الذين يشهدون على أنفسهم بالكفر فشهادتهم بالحال، وبالمقال.
كما نشهد على أنفسنا بالإيمان حين نلبي في الحج والعمرة ونقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أي أننا ننزه الله تعالى عن الشرك. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ ، و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى المشركين الذين شهدوا على أنفسهم بالكفر، وحكم الله ألا يعمروا مساجد الله، و ﴿ حبطت ﴾ أي نزلت من مستوى عال إلى مستواها الحقيقي دون مستواها الشكلي، فتجد العمل وكأنه منفوخ كالبالون الضخم، وهو في حقيقة مجرد فقاعة ضخمة ما تلبث أن تنكمش أو تسقط، فهي أعمال لا قيمة لها، وليس لها حصيلة لأنها أعمال باطلة. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
[الكهف: 103-104]. وتجد الواحد من هؤلاء يظل يعمل ويعمل، ويظن أنه سوف يجني خيرا كثيرا من هذا العمل، وقد يكون العمل مفيدا لغيره من الناس. ولكنه افتقد النية، ففسد نتيجة لذلك. والقرآن الكريم يعرض لحبوط الأعمال في آيات كثيرة والمثال هو قول الحق تبارك وتعالى: