تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما دام ربنا هو الذي يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، فكيف يأتي إنسان من البشر ليفتئت على الحق سبحانه وتعالى ويقول: إنه وضع منهجا لحياة البشر، ويعلم الإنسان ما يفسد حياته لا ما يصلحها. ونقول لكل من يفعل ذلك: لماذا تلجأ إلى من يصنع التليفزيون ليصلح لك الجهاز إن أصابه عطل، ولماذا لا تلجأ إلى صانعك الذي يصلح لك نفسك؟ إن تردد المسلم على بيت الله ليكون في حضرة ربه دائما هو إصلاح لما في النفس، فحين يقف المؤمن بين يدي الله ويصلي، يمتلىء بالرضا والتوازن النفسي لأن الواحد منا لا يعرف ما الذي يصيب أي ملكة من ملكاته بالارتباك. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر يقوم إلى الصلاة، وما معنى حزبه أمر؟. أي: إن جاءه شيء أو أمر، وكان فوق طاقته. وفوق أسبابه، ولا يستطيع أن يفعل شيئا تجاهه، وتضيق عليه الأمور. فلماذا لا يتبع الواحد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأسوة حسنة، فإن قابل أمرا مكروها وشاقا يقول: إن لي ربا أذهب إلى بيته وأصلي فأقف في حضرته، فتحل أصعب وأعقد المشكلات. إذن فساعة يأتينا أمر شديد، لا بد أن نتجه إلى الله عز وجل. وأفضل مكان نلتجىء فيه إلى الله تعالى هو بيته. فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا كانت ليلة ريح شديدة كان مفزعه إلى المسجد حتى تسكن الريح، وإذا حدث في السماء حدث من خسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة حتى تنجلي. وبعض من الذين يحترفون الجدل واللجاجة يقول: ماذا سيفعل الله لي أو لذلك الذي يعاني من شيء فوق طاقته؟ لقد دخل المسجد وخرج كما هو؟ ونقول: هذا الظاهر من الأمر، ولكنك لا تعرف ماذا حدث في داخله، أنت تتحدث عن العالم المادي الذي فيه العلاجات المادية، ولكن الله سبحانه وتعالى يعالج داخل النفس دون أن تحس انت لأن المساجد هي مطالع أنوار الله تعالى وهي التي يتنزل فيها النور على النور الذي يصلح الحياة الدنيا ويرتقي بها لأن أنوار الله تدخل القلوب فتجعلها تطمئن، وتدخل النفوس فتجعلها تحس بالرضا والأمن. إذن فالمساجد لها مهمة العيادة للطبيب الخالق الذي خلق هذه النفس ويعرف كيف يداويها، وليس للطبيب الدارس في كلية الطب الذي يعرف أشياء وتغيب عنه أشياء. ونحن في المساجد إنما نعيش في حضرة الحق تبارك وتعالى نتلقى منه التجليات والفيوضات التي تعالج نفوسنا أكثر مما يعالجها أبرع أطباء العالم، على أننا إذا دخلنا المسجد فلنعرف أن لهذا المكان قدسيته، ولا بد أن يحرص الإنسان على نظافته ومظهره، ولنرتد أحسن ثيابنا لأن الله لا ينظر إلى نظافتنا أو أناقتنا، ولكن ليحرص كل منا على ألا يتأفف منه من يصلي بجانبه فمن يعمل في مصنع ويحضر إلى المسجد بملابس العمل قد لا تتناسب ملابسه مع المجيء إلى المسجد إلا بعد أن يغتسل إن ملابسه شرف له في عمله، ولكن عليه أن يغيرها حين يذهب إلى المسجد، ومن يعمل في مكتب قد يكون الجو حارا أو امتلأ جسده بالعرق، وملابسه التي يوجد بها في وظيفته هي شرف له في عمله، ولكن عليه أن يغتسل، وأن تكون رائحته طيبة حين يدخل المسجد.

ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل ثوما أو بصلا أن يأتي المسجد حتى لا يتأذى أحد بالرائحة التي تصدر من فمه. وقال صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف الذي يرويه جابر رضي الله عنه:

" من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا ".

وفي رواية لمسلم:

" من أكل البصل والثوم والكرات فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم "

ولذلك على المسلم أن يحرص أن تكون الإقامة في المسجد طيبة، لتكون الأفئدة منشرحة. ويجب أن نراعي جلال المسجد لأننا نعرف أن الرحمات تتنزل على الصف الأول ثم الذي يليه، فلا يحاول واحد منا أن يحجز مكانا بالصف الأول بأن يضع فيه سجادة خاصة أو كوفية، ثم يأتي أحيانا بعد إقامة الصلاة ويحاول اقتحام الصفوف ليصل إلى الصف الأول. وإياك أن تعتقد أن الصف الأول محجوز لشخص معين ولو أتى متأخرا، فكل إنسان يأتي للمسجد عليه أن يأخذ دوره، ويقعد في المكان الخالي. وإياك أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى لا يعرف الذين يتكون منهم الصف الأول، إنهم هؤلاء الذين جاءوا للمسجد أولا. أما أن تحضر إلى المسجد وتحجز مكانا في الصف الأول لصديق أو قريب بحيث إذا جاء إنسان آخر ليصلي في هذا المكان قلت له: إن المكان محجوز. نقول لك: أنت حر أن تفعل ذلك في بيتك، ولكن من جاء إلى بيت الله أولا فليجلس أولا، وكثيرا ما تحدث مسألة الحجز للأماكن في مواسم الحج والعمرة. وعلى من يجد مكانا قد حجز بسجادة أو أي شيء آخر أن يزيحها بعيدا ويصلي. وأنت في بيت الله تكون في ضيافة الله. وأنت تعلم أنه إن جاءك أحد في بيتك على غير دعوة فأنت تكرمه، فإذا كان المجيء على موعد فكرمك يكون كبيرا. فما بالنا بكرم من خلقنا جميعا؟ إن الحق سبحانه وتعالى يجزيك من فيض كرمه من ساعة أن تنوي زيارته في بيته، فأنت في صلاة منذ أن تبدأ في الوضوء في بيتك استعدادا للصلاة في المسجد لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يطيل عليك نعمة أن تكون في حضرته.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٢٣