والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه..
[النور: 39]. والسراب هو ما يخيل إليك بلمعانه أنه ماء في الصحراء. وعندما تذهب إليه لا تجد شيئا. والذي لا يحس بالظمأ قد لا يلتفت إلى ذلك. ولكن الظمآن تتعلق نفسه بالماء، فيجيل بصره في كل مكان يبحث عنه، فإذا رأى أي لمعان حسبه ماء، وعندما يجيء إليه لا يجد شيئا، وليت الأمر يقتصر على ذلك، بل هو يجد الله عنده ليوفيه الحساب. ومثل هذا الانسان لم يضع الله في باله يوما من الأيام، وليس لمثل هذا الإنسان عند الله تكريم أو ثواب. لأن الإنسان يطلب أجره ممن عمل له، وهو لم يعمل عمله وفي باله الله. وأنت إذا صنعت معروفا تقصد به وجه الله عز وجل جزاك الله عنه خيرا، ولكن إن عملت معروفا لتحقق به مصلحة دنيوية خاصة بك أو تأخذ به شهرة فلا جزاء لك عند الله، ولا بد أن يصنع الإنسان المؤمن كل عمل وفي باله الله خالقه والمتفضل عليه بالنعم، فإن أطعمت فقيرا فلتطعمه لوجه الله، وعليك ألا تفعل المروءة من أجل أن يقال عنك: إنك صاحب مروءة. ومن يفعلون الخير عليهم أن يحرصوا على أن يكون الله عز وجل في بالهم، لا أن ينالوا شهرة من هذا الخير، وألا يأتي منهم خبر هذا الخير لا بمقال ولا بحال. وعلى سبيل المثال تلك اللافتات التي توضع على المساجد بأسماء من قاموا بتأسيسها.
فمن بني من أجله المسجد وهو الله عليم بكل شيء، ويعلم اسم من أقام البناء، وعليك أن تسميه بأي اسم لا يمت لك بصلة، حتى لا تدخل في دائرة " عملت ليقال وقد قيل ". وحتى المقاتل الذي يحارب بين صفوف المؤمنين عليه أن يعقد النية لله، لا أن يقاتل من أجل أن يقال إنه شجاع، لأنه إن فعل، حبط عمله وكان من الخاسرين لأن عمله قد شابه الرياء والسمعة. ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم جزاء المرائين في حديثه الشريف الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام:
" أول الناس يقضى لهم يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال فلان جرىء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال قارىء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكن ليقال إنه جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار ".
وعلى ذلك فالإنسان إن لم يضع الله في باله وهو يعمل فسوف يجد الله يحاسبه على أساس أن عمله غير مقبول. ويقول الحق سبحانه وتعالى في آية ثانية:
مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء..
[إبراهيم: 18]. ولك أن تتصور ماذا تفعل العاصفة في الرماد إنها لا تبقي منه شيئا. والمشرك الذي كان يدخل المسجد ويسقي الناس من عصير العنب غير المخمر، ويقوم بعمارة المسجد الحرام قبل تحريم الله لدخول أمثاله إلى هذا المكان، هذا المشرك لم يكن ليأخذ ثوابا لأنه ارتكب خيانة عظمى بأن أشرك بالله، بينما يأخذ المؤمن الثواب لأنه يدخل المسجد ويعمره وهو مؤمن بالله ولا يشرك به شيئا. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ﴾ [التوبة: 17]. لأنهم عملوا لغير الله فلقوا الله بلا عمل. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلوة... ﴾.