تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..

[الأنفال: 24]. معناه أن الحياة حياتان حياة تحرك هذه المادة فتتحرك وتجري وتروح وتجيء، وهي تنصلح بالمنهج الذي يقود إلى حياة أخرى فوق الحياة الدنيا. إذن فالحياة الدنيا بما فيها من سعي وتعب وجهد وفناء ليست هي الغاية التي يجب أن يسعى إليها الإنسان، بل على الإنسان أن يسعى إلى الحياة الأرقى. وسبحانه لا يريدنا أن نأخذ المرحلة الأولى من الحياة التي تحرك المادة فتتحرك وتجري، بل يريد لنا حياة تقودنا بالقيم، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد قال عن الحياة التي تحرك المادة:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين

[ص: 72]. فهذه حياة المرحلة الأولى التي لا يريدنا الله سبحانه وتعالى أن نأخذها كغاية، ولكنه يريدنا أن نأخذها وسيلة لنصل بها إلى الحياة الراقية في كل صورها الخالدة بكل معانيها المنعمة في كل درجاتها. وكما سمى الحق سبحانه وتعالى الروح التي تنفخ في المادة فتعطيها المرحلة الأولى من الحياة روحا، فإنه كذلك سمى المنهج الذي يعطينا المرحلة الثانية من الحياة روحا، حيث يقول:

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم

[الشورى: 52]. هذه هي روح المنهج التي تعطينا المرحلة الثانية من الحياة. فإن أخذنا نور الهداية من الله سبحانه وتعالى فهو ينير لنا طريقنا في القيم والمعنويات، تماما كما تنير لنا شمس الله طريقنا في الحياة المادية. إذن فالحق لم يترككم للنور المادي ليحافظ على ماديتكم من أن تحطموا أو تتحطموا، وإنما أرسل إليكم نورا لتهتدوا به في مجال القيم. يقول الحق سبحانه وتعالى:

نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء..

[النور: 35]. ولم يقل سبحانه: " نور مع نور " لأن الإنسان لا يكلف من الله إلا بعد أن يصل إلى سن البلوغ، فالنور المادي يراه ويستفيد به قبل التكليف، ثم يأتي النور المعنوي فيتلقاه من الكتاب الذي أنزل على رسول الله عندما يبلغ سن التكليف فيتعرف على منهج الله.

نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء..

[النور: 35]. فلا يحجب الحق سبحانه وتعالى نور الشمس عن أحد لأنه نور لكل الخلق وكذلك أنزل سبحانه وتعالى نور الهداية ليختاره كل من التمس الطريق إلى الهداية، وهذا النور المعنوي يختلف عن النور المادي، فالحق لم يحرم - إذن - أحد من النور المادي، وشاء أن يجعل النور المعنوي ضمن اختيارات الإنسان إن شاء آمن واهتدى، وإن شاء ضل. وكل ذلك مجرد مثل من الأمثال التي يضربها الله تعالى للناسلذلك قال عز وجل:

ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم

[النور: 35]. وجاءت الآية التي بعدها لتوضح لنا أين ينزل نور الله على عباده فقال سبحانه وتعالى:

في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه..

[النور: 36]. وعندما تسمع جارا ومجرورا لا بد أن تبحث عن المتعلق بهما، فما الذي في بيوت الله؟ إنك حين تبحث عن إجابة لن تجدها إلا في قوله تعالى:

نور على نور..

[النور: 35]. فكأن المساجد وهي بيوت الله هي أماكن تلقى النور المعنوي من عند الله سبحانه وتعالى، وهو النور الذي يعطينا ارتقاء الروح لنصل إلى المرحلة الثانية من الحياة، تماما كما يحدث في الدنيا عندما تصاب آلة بعطب أو لا تؤدي مهمتها على الوجه الأكمل، فالذي يصلحها ويصونها لتؤدي مهمتها المطلوبة منها هو المهندس الذي صنعها. والله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان، فلا أحد يستطيع أن يدعي مهما اجترأ على الله سبحانه وتعالى أنه خلق نفسه أو خلق الناس. وهذه دعوى لم يدعها أحد قط. وما دام الله عز وجل هو الذي خلق، إذن فهو سبحانه وتعالى الذي يضع المنهج الذي يصون حياة الناس ويجعلها تؤدي مهمتها كاملة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٢٢