" إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالته فقولوا: لا ردها الله عليك "
وفي حديث آخر له رضي الله عنه قال: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من سمع رجلا ينشد ضالته في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا ".
فلنجعل الجلوس في المسجد - إذن - خاصا بالمنعم وهو الله، أما في خارج المسجد وفي سائر الأوقات، فنحن نعيش مع النعمة التي أنعم الله بها علينا. والحق سبحانه وتعالى يقول:
إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات..
[آل عمران: 96-97]. وما دام بيت الله تعالى ﴿ هدى للعالمين ﴾ أي أنه بيت لكل الناس وليس لمن يجلس فيه فقط، فكأن إشراقات الحق وتجلياته، أعظم ما تكون في بيته أولا، ثم تشيع الإشراقات والتجليات في جميع بيوت الله، وعلى عمارها والمتعبدين فيها، وبيوت الله هي الأماكن التي تتنزل فيها الرحمات من الحق سبحانه وتعالى، بدليل أنه سبحانه وتعالى حين تكلم عن نوره في سورة النور قال:
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه..
[النور: 36]. أي أن الذين يرون هذا النور ويتنزل عليهم هم عمار المساجد، وسورة النور جاء فيها - أيضا - قول الله تعالى:
الله نور السموات والأرض..
[النور: 35]. أي: أن نوره يملأ السماوات والأرض. حين يضرب الحق سبحانه وتعالى مثلا للمعنويات ليتعرف إليها الناس فهو يقدم لها بأمر مادي يتفق عليه الكل، ليقرب الأمر المعنوي أو الغيبي إلى أذهان الناس لأن المعنويات والغيبيات يصعب إدراكها على العباد. فلذلك فهو سبحانه وتعالى يقرب هذا الأمر ويبينه بأن يضرب لنا مثلا من الأمور المادية المحسة حتى تقترب الصورة من الأذهان لأننا جميعا نرى الماديات. وبهذا يلحق سبحانه الأمر المعنوي وهو غير معلوم لنا بالأمر المادي الذي نعرفه فتقترب الصورة من أذهاننا وتتضح لنا، وهكذا شاء الحق سبحانه وتعالى أن يلحق المجهول بالنسبة للناس بالمعلوم عندهم. وإذا كنا في كون الله تعالى نجد النهار وإنما يكون نهارا بإشراق الشمس الواحدة التي تنير نصف الكرة الأرضية، ثم تنير النصف الثاني من بعد غروبها عن النصف الأول، فيتميز النهار بالضوء، ويتميز الليل بالظلمة، ومعنى النور في الحسيات أنه شعاع يجعل الإنسان يرى ما حوله حتى يستطيع أن يتحرك في الحياة دون أن يصطدم بالأشياء المحيطة به.
ولكن إن كانت الدنيا ظلاما فسيصطدم الإنسان بما حوله، وأمر من اثنين: إما أن يكون الإنسان أقوى من الشيء الذي اصطدم به فيحطمه، وإما أن يكون هذا الشيء أقوى من الإنسان فيصاب الإنسان إصابة تتناسب مع قوة الشيء الذي اصطدم به. والذي يحميك من أن تحطم أو تتحطم هو النور الذي تسير على هداه. إذن فساعة أن يأتي النور، تتضح أمامك معالم الدنيا، وتكون خطاك على بينة من الأمر فلا ترتطم بما هو أضعف منك فتحطمه، ولا يرتطم بك ما هو أقوى منك فيحطمك، هذا هو النور الحسي، وأكبر ما فيه نور الشمس الذي يستفيد منه كل الخلق، المؤمن والعاصي، والكافر والمشرك، والمسخر من حيوان أو نبات أو جماد، وهذا النور نعمة عامة خلقها الله سبحانه وتعالى بقانون الربوبية الذي يعطي النعم لجميع خلقه في الدنيا سواء من آمنوا أم لم يؤمنوا. فإذا غابت الشمس نجد كل واحد منا يستعين بنور يعطيه الضوء في حيز محدود وعلى قدر إمكاناته فواحد يوقد شمعة، وواحد يأتي بمصباح " جاز " صغير، وواحد يستخدم الكهرباء فيأتي بمصباح " نيون " ، وواحد يأتي بالعديد من مصابيح الكهرباء ليملأ المكان بالنور، كل على قدر إمكاناته، فإذا طلعت شمس الله فهل يبقى أحد على مصباحه مضاء؟ إن الجميع يطفئون مصابيحهم لأن شمس الله قد سطعت تنير للجميع، ذلك هو النور الحسي. والفرق بين نور بقدرات الإنسان ونور من خلق الله يتمثل في أن النور الذي من خلق الله يطفىء المصابيح كلها لأنه يغمر الجميع. وفي المعنويات نور أيضا فالنور المعنوي يهديك إلى القيم حتى لا ترتطم بالمعنويات السافلة التي قد تقابلك في مسيرة الحياة، إذن فكل ما يهدي إلى طريق الله يسمى نورا. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: