وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت..
[البقرة: 127]. فكأن البيت مخصص قبل الرفع، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن مجيء هاجر وابنها إسماعيل الرضيع، وإسكان إبراهيم عليه السلام لهما في هذا المكان قال:
ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم..
[إبراهيم: 37]. وقد رفع إبراهيم عليه السلام القواعد وساعده ابنه إسماعيل بعد أن كبر واشتد عوده، ولكن ساعة أن أسكنه وأمه بجانب البيت كان طفلا صغيرا. إذن فالبيتية والمكانية موجودة، ولكن إبراهيم أقام المكين وهو البعد الثالث أي الارتفاع. ويقول الحق سبحانه وتعالى أيضا:
وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت..
[الحج: 26]. أي أظهرنا وحددنا المكان، وهو الذي سيبني فيه سيدنا إبراهيم بالأحجار ليبرز البيت، فالبيت - إذن - كان موجودا من قبل.
ونلحظ أن المساجد المنتشرة في الأرض لا بد أن يكون لها متجه واحد، لإله واحد، وحدد الحق هذا المكان بالقبلة إلى الكعبة. وبعض المتحللين يحاول أن يقلب الفهم في قول الحق:
فأينما تولوا فثم وجه الله..
[البقرة: 115]. يقولون: إننا إن اتجهنا إلى أي مكان سنجد وجه الله تعالى، ونقول: الصحيح أن وجه الله عز وجل في كل الوجود، ولكن إياك أن تفهم أن تحديد الله للكعبة لتكون متجهنا، أنها هي وجه الله، لا، لكننا مأمورون بالاتجاه لها في الصلاة. وأنت إذا نظرت أيضا إلى المسلمين في كل الدنيا سوف تجد أن كل مسلم في الأرض يتجه للكعبة في صلاته، وما دامت الكعبة مركزا، وكلنا نتجه إليه فسوف تجد من يتجه وهو شرقه، وواحد يتجه وهو غربه، وواحد يتجه وهو شماله، وواحد يتجه وهو جنوبه. إذن ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ ، وما دمنا قد عرفنا أن المساجد محيزة ومخصصة للعبادة فلا يجوز أن يأتي إليها مشرك، ولا نقبل أن يساهم في إصلاحها ولا نظافتها مشرك لأن الله غني عن ذلك، وعلينا أيضا ألا نناقش أمورنا الدنيوية في مسجد، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس همتهم إلا الدنيا، ليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم ".
كأنه لم يكفهم حب الدنيا خارج المسجد ويطمعون في الدقائق التي يخصصونها للصلاة، فيجرجرون الدنيا معهم إلى المسجد، وأقول لهم: لماذا لا تتركون مصالح الدنيا في تلك الدقائق؟ إن الواحد منكم إنما يحيا في سائر الدنيا في نعمة الله. إذن فليجعل نصيبا من وقته لله صاحب النعمة. إذن لا بد أن نعرف أننا ما دمنا قد خصصنا مكانا لعبادة الله، فلا بد أن نصحب هذا التخصيص في المكانية إلى التخصيص في المهمة التي يدخل الإنسان من أجلها للمسجد، فيتجه إلى الله لأن المسجد خاص لعبادة الله ومع أن الأرض كلها تصلح للصلاة، لكنك حين تأتي إلى المسجد اصحب معك أخلاق التعبد. ويجب أن يكون الانفعال، والتفاعل، والحركة والنشاط كله في الله، ولذلك فأفضل ما تفعله ساعة تدخل المسجد، هو أن تنوي الاعتكاف فتنزع نفسك ممن ينوي أن يتكلم معك في أحوال الدنيا. لقد ورد في الأثر النهي عن الحديث في المساجد لأنه يحبط العمل ويمحو الحسنات، وأنت قد تصنع الحسنات كثيرا خارج المسجد، ولكن عليك ألا تدخل المسجد إلا بأدب المسجد فالحضور بين يدي الله تعالى في مسجده وفي بيته له آدابه وسلوكه، فيجب عليك ألا تتخطى الرقاب وهذه لا تحتاج إلى تنظيم، بمعنى ألا تجعل الأماكن في الأمام خالية، وفي الخلف مزدحمة حتى يستطيع أن يجلس كل من يحب أن يصلي دون أن يتخطى الرقاب، ويكون الجلوس في المساجد، الأول فالأول، وهكذا يتحقق الأدب الإيماني في المساجد.
ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بالبوار على كل صفقة تعقد في المسجد. ودعا على كل من يريد شيئا دنيويا من المسجد ألا يوفقه الله فيه، ودعا على كل من ينشد ضالة في المسجد ألا يرد الله عليه ضالته، حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: