تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين

[المائدة: 15]. إنه نور المنهج الذي ينير لنا المعنويات، وينير لنا القيم فلا يحقد أحدنا على الآخر، ولا يحسد أحدنا الآخر، ولا يرتشي أحد. ويرعى كل منا حقوق غيره. وإذا كانت التجربة قد أثبتت أن نورا من خلق الله وهو الشمس، إذا سطعت فالجميع يطفئون مصابيحهم. فكذلك إذا ما جاء نور الهداية من الله سبحانه وتعالى فيجب أن تطفأ بقية الأنوار من مقترحات أفكار البشر، فلا يأتي أحد بفكر رأسمالي، أو يأتي آخر بفكر شيوعي، أو ثالث بفكر وجودي، لأن كل هذه القيم تمثل أهواء متنوعة من البشر، وتعمل لحساب أصحابها، أما منهج الله تعالى فهو لصالح صنعة الله وهم البشر جميعا، فلا يحاول أحد أن يضع قيما للحياة تخالف منهج الله لأن الله قد بين لنا منهج العبادة ومنهج القيم، لذلك لا يصح أن يأتي إنسان بشرع يخالف تعاليم الله.

ونقول لأصحاب الهوى في المذاهب والعقائد المخالفة لمنهج الله جميعا: لماذا لا تقيسون الأمور المادية على الأمور المعنوية؟ لماذا إذا سطعت شمس الله تطفئون مصابيحكم، ولا يحاول أحد أن يوقد مصباحا ليهديه في نور الشمس؟. إذن. فما دام سبحانه وتعالى قد أنزل نور الهدى منه فلا بد أن نطفىء جميعا مصابيح الأفكار القائمة على الهوى، ونأخذ النور كله من منهج الله القويم والصالح لكل زمان ومكان، كما نأخذ النور في النهار من شمس الله. وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد أعطانا التجربة الحسية التي لا يختلف فيها اثنان، إلا أننا رفضنا أن نطبق هذا على منهج الله وهو النور الذي أهداه لنا سبحانه وتعالى ليبين لنا الطريق، وأبى بعضنا إلا أن يأخذ من ظلمات العقل البشري المحدود ما يعطيه طريقا معوجا في الحياة، فامتلأت الدنيا بالشقاء والفساد، ونسينا أن السبب في ذلك أننا تركنا نور منهج الله عز وجل الذي يعطينا الحياة الآمنة الطيبة، ووضعنا لأنفسنا مناهج سببت التعاسة والفساد في الكون. ويقرب لنا الحق سبحانه وتعالى الأمر في مثل مادي عن معنى نور الله فيقول سبحانه وتعالى:

الله نور السموات والأرض..

[النور: 35]. أي: أن نوره سبحانه وتعالى يملأ السموات والأرض، وأنه يحيط بكل جوانب الحياة على الأرض فلا يترك جانبا منها مظلما، وقال جل جلاله:

مثل نوره كمشكاة..

[النور: 35]. والمشكاة هي " الطاقة المسدودة بالحائط " ، وهي عبارة عن مكعب مفرغ في البناء داخل حجرة وكان أهل الريف يضعون فيها المصابيح لتنير، واستبدله أهل الريف والبادية حاليا ب " رف " صغير يوضع عليه المصباح، ودائرة صغيرة يخرج منها النور، ولأن ضوء المصباح مركز في هذه الفتحة، فهي تمتلىء بالنور الذي بدوره يشع في الحجرة. وحيز المشكاة بالنسبة للحجرة التي توجد فيها قليل وصغير، والنور الذي يخرج منها، هو نور مركز يملأ الدائرة التي يخرج منها فلا يوجد فيها " ملليمتر " واحد مظلم، بل كلها نور، وإلا ما استطاع ضوؤها أن ينير الحجرة. لأن هذا النور قبل أن يضيء الحجرة لا بد أن يكون مركزا بأعلى درجة من التركيز في الدائرة التي يخرج منها. إذن: فنور الله سبحانه وتعالى في السموات والأرض نور شامل عام لا يدع مكانا مظلما. ولا مكانا يختفي فيه شيء بسبب الظلام، تماما كمثل تلك الدائرة الصغيرة التي يشع منها نور المصباح فلا تجد فيها ملليمترا واحدا من الظلام، وقد سمي ما يعطي النور مصباحا لأنه يعطينا بشائر الصبح.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى:

مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة..

[النور: 35]. ونحن إذا أردنا أن نكثف النور فإننا نحيطه بالزجاج، ليحجب عنه الهواء الذي قد يؤثر على النور ويمنع تركيزه، والزجاجة التي تحيط بالمشكاة عاكسة للنور، وهذا كله يعطينا معنى للتكثيف والتركيز داخل المشكاة. ثم ينتقل المثل من بعد ذلك إلى الحجرة، فيقول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٢٠