وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون
[الأعراف: 172-173]. هم إذن قد أقروا لحظة الخلق الأولى بوحدانية الله وعاهدوا الله تعالى على ذلك، لكنهم كفروا بتلك الشهادة وأشركوا به سبحانه ووضعوا في بيت الله الحرام أصناما. وادعوا الكذب وقالوا:
ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..
[الزمر: 3]. وهذا هو الإشراك بعينه، وهذه هي شهادتهم على أنفسهم بالكفر. ﴿ أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر.. ﴾ [التوبة: 17]. والمسجد - كما نعلم - هو المكان الذي نسجد فيه، وكل بقعة في الأرض بالنسبة للمسلمين تصلح للسجود وتعتبر مسجدا، وهذا مما خص به الله تعالى أمة الإسلام، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ".
فهذا الحديث يبين أن مما خص الله به الأمة المحمدية أن جعل لها كل بقاع الأرض صالحة لأداء الصلاة فيها، كما جعل لها الأرض أيضا طهورا، ويكفي المسلم أن يتيمم من الأرض ويصلي عليها، ولكن هناك فارق بين مكان يصلح لك أن تصلي فيه، وأن تباشر نشاط حياتك، وبين مكان مخصص للعبادة، فالحقل الذي تزرع فيه، لك أن تصلي فيه وتزرع، والمصنع لك أن تصلي فيه، ولك أن تصنع، وكذلك المدرسة لك أن تتعلم فيها، ولك أن تصلي فيها، وهذه كلها مساجد بالمعنى العام، وهي أماكن سجود لله تعالى، لكن كلمة " مسجد " إذا أطلقت انصرفت إلى الحيز المحدود من المكان الذي أخرج من نشاطات الحياة كلها، وخص بأن يكون للصلاة والسجود فقط، فإذا حيزت مكانا بخط أبيض من الجير، أو حيزته بسلك وقلت: هذا مسجد، فلا يزاول فيه نشاط إلا الصلاة، هذا هو المسجد الاصطلاحي الشرعي.
وكل بيت لله بنيته في أي مكان يسمى مسجدا، وقبلة المساجد المنتشرة في بقاع الأرض هي المسجد الحرام فهي أماكن حيزت للمسجدية، أو للعبادة، أو للصلاة وليست لغير ذلك من حركات الحياة، ولكن تحييز المكان كان باختيار البشر. وقبلته المسجد الحرام وهو المسجد الجامع الأكبر باختيار الله تعالى، والحق سبحانه وتعالى هو القائل:
إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين
[آل عمران: 96]. ولأن هذا البيت الحرام هو باختيار الله، وموضوع للناس. فلنا أن نسأل: هل الناس هم الذين وضعوه؟ لا، بل وضعه غير الناس، لأن تعريف الناس هم آدم وذريته، ولا بد إذن أنه موضوع قبل آدم، وبمنطق القرآن الكريم وجد البيت من قبل آدم، وإذا تعمقنا قليلا، نجد أن هذا البيت الحرام هو ﴿ هدى للعالمين ﴾ ومن العالمين الملائكة. وهكذا نرى أن قول بعض القوم: إن إبراهيم هو الذي حدد مكان وقواعد البيت، قول لا يثبت صدقه، لأن البيت هو المكان لا المكين، فالبيت ليس هو الحجر أو المبنى، وهو ما نسميه الكعبة، فالكعبة هي " المكين " أما البيت فهو المكان الذي أقيمت فيه الكعبة لأنه إن جاء سيل وأزال الكعبة، جعلها أرضا مسطحة فأين نصلي؟ نصلي إلى اتجاه المكان، فالسيل يذهب المكين لكن المكان باق. وعندما جاء سيدنا إبراهيم عليه السلام كان أثر البيت ضائعا، وأمره ربنا أن يرفع البيت، ولم يقل له: حدد المكان، بل أمره أن يبني البعد الثالث لأن كل حيز له بعدان الطول والعرض، وإن كان دائرة فله المحيط، وإن كان مثلثا يكون من ثلاثة أضلاع. لكن الارتفاع يدخل بالشيء إلى الحجم، وقد رفع الخليل إبراهيم القواعد من البيت. بعد أن حدد المولى سبحانه وتعالى له المكان وأظهره له: