تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأراد الحق سبحانه وتعالى برحمته أن يبقي الباب مفتوحا للكفار لكي يعودوا إلى منهجه فقال عز وجل: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ [التوبة: 6]. وبعد انقضاء مدة الأشهر الأربعة، إذا استجار بك أحد من المشركين فأجره، ونحن نعلم في اللغة العربية أن " إن " الشرطية لا تدخل إلا على فعل ولا تدخل على اسم أبدا فتقول: إن قام زيد قام عمرو، وأما " إن " في قوله تعالى:

إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم..

[المجادلة: 2]. فهذه ليست " إن " الشرطية ولكنها " إن النافية " وهي مع " إلا " التي بعدها لإفادة التأكيد والقصر، أي قصر الأم على الوالدة، إلا أنه من بلاغة إعجاز القرآن الكريم جاء بعد " إن " الشرطية اسم في قوله تعالى: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره.. ﴾ [التوبة: 6]. وكان القياس أن يقال: " إن استجار بك أحد المشركين فأجره " ولكن الله سبحانه وتعالى جاء ب " أحد " بعد " إن " في أول الكلام، ولذلك فعندما نعرب كلمة " أحد " في الآية الكريمة السابقة نعربها فاعلا ونقدر له فعله من جنس المتأخر، والتقدير هو: وإن استجارك أحد من المشركين فأجره. ولماذا هذه اللفتة من القرآن الكريم؟ نقول: إن هناك مستجيرا وهناك طلب استجارة فهل الاستجارة عرف بها المستجير، أم عرفت الاستجارة منه؟. وأقول: لنفرض أن واحدا من المؤمنين قد جلس على الحدود قرب أماكن الكفار، ثم سمع صوتا يقول: أنا مستجير بمحمد، ومستجير بالمؤمنين، ومن بعد ذلك ظهر المستجير بجسده أمام المؤمنين، هنا تكون الاستجارة قد سبقت ظهور المستجير، وكأن الأذن هي التي استجيرت أولا ثم رأت العين جسد هذا المستجير، وقد يختلف الأمر فيظهر المستجير أولا، ثم يصرخ طالبا الأمان والاستجارة، وبذلك تكون العين قد رأت أولا ثم سمعت الأذن طلب الاستجارة ثانيا. وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا إلى أهمية الالتفات إلى صدق الاستجارة، ولا يتحقق ذلك إلا بأن يصرخ المستجير أولا، ويظهر من بعد ذلك، ولا بد أن يأخذ المؤمن حذره حتى لا ينقلب عليه المستجير أو يكون قد خدعه بطلب الاستجارة. والاستجارة تعني طلب الجوار والحماية، ولهذا فعادة ما يكون المستجير ضعيفا لا يقدر على حماية نفسه. وحين يستجير إنسان بآخر في مثل تلك الظروف، فعلى المجير أن يملك الفطنة ليتعرف على الهدف من الاستجارة أهي استجارة لمجرد تطويل أمد البقاء على الكفر؟ أم هي رغبة في معرفة أسس الإيمان كما وردت في كتاب الله تعالى، أو أنه يريد أن يسمع حكم الله على الكفار في سورة براءة.

أو يريد أن يسمع كلام الله بما يقذف في قلبه الإيمان، أو أنه يريد أن يسمع شيئا فيما يطلب فيه الدليل، أو يسمع كلام الله فيما يرد عليه الشبهة؟. إن فطنة المؤمن يجب أن تتسع لتسبر أغوار المستجير، وطلب الجوار أو الاستجارة كان معروفا عند العرب، فإذا استجار شخص بعدوه فعليه أن يجيره، وهذا دليل على شهامته. وإذا كان الإيمان قد فرض على المسلمين إجارة من يطلب الجوار، فهذا دليل على قوة الإيمان وعظمته وسماحته، ولعل خميرة الإيمان الفطري في نفس الكفار قد استيقظت وتطلب معرفة قواعد الإسلام. إن على الوالي أو أي واحد من المسلمين أن يجير المستجير، ولماذا لا نسمعه ونتكلم معه عله يؤمن، ويدخل حظيرة الإسلام وفي الإسلام يجير الوالي أو أي واحد من المسلمين لأن المسلمين تتكافأ دماؤهم ولا يوجد دم سيد ودم عبد، ولا دم شريف ودم رخيص وإنما يسعى بذمتهم أدناهم، ولذلك إذا أجار أي مسلم إنسانا غير مسلم أو إنسانا كافرا يجار من جميع المسلمين حتى الصبي الذي لم يبلغ الحلم وحتى المجنون الذي لا يعقل. لهذا أو لذاك أن يجير بشرط أن يوافق الوالي أو المسلمون على ذلك. لماذا؟ لأننا نأخذ على الكفر أنه يغدر بالتعاهد ويتناسى المروءة، فلا بد أن نتمسك نحن المؤمنين بالعهد، فإذا استجار أحد من الكفار فلا بد أن نفي بالعهد. ولكن كيف يكون للصبي والمجنون حق الإجارة؟. نقول: إن الصبي من المؤمنين انتفع بالإسلام لأنه تمت تربيته تربية إيمانية وفقا لمنهج الله ونشأ في ضوء قول الحق تبارك وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٠١