تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بذبح الهدي وتحلل من إحرامه وفعل المسلمون مثلما فعل، وشاءت قدرة الله سبحانه وتعالى قبل أن يعود المؤمنون إلى المدينة، أن يبين لهم سبب قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلح الحديبية مع ما يبدو ظاهرا وليس حقيقة من أن فيه إجحافا بالمسلمين. لقد كان الصلح ينص على أنه إن جاء أحد هاربا من قريش والتجأ إلى المدينة ردوه إلى قريش مرة أخرى. وإن فر أحد بعد إسلامه والتجأ إلى كفار مكة لا يردونه. وقد وجد البعض في هذا إجحافا وعدم مساواة، وكان الموقف غاية في الدقة، وعندما جاء سهيل بن عمرو ليتفاوض على المعاهدة، وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه يكتب عن رسول الله وأملى: هذا ما تعاقد عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو. اعترض سهيل قائلا: لو كنا نؤمن بأنك رسول الله ما حدث بيننا هذا القتال، ولكن اكتب: هذا ما تعاقد عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو. هنا ثار علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وقال: لا، لا بد أن نكتب هذا ما تعاقد عليه محمد رسول صلى الله عليه وسلم ورفض سهيل بن عمرو. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينهي الموقف فنظر إلى علي وقال: " يا علي اكتب فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد " أي أنه سوف يحدث لك نفس الشيء الذي ترفضه الآن فتقبل، وكان هذا من علامات النبوة لأن عليا وقف فعلا هذا الموقف عندما جاءت معاهدة صفين وأراد أن يكتب فيها هذا ما تعاقد عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين فقالوا له: لو كنت أمير المؤمنين ما حاربناك، اكتب هذا ما تعاقد عليه علي بن أبي طالب. وتذكر علي بن أبي طالب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اكتب فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد ". على أن الحق سبحانه وتعالى أراد ألا يدخل المسلمون المدينة إلا وقد صفت نفوسهم دون إحساس بأن منهم من انكسر وأن الآخرين قد انتصروا، فنزل قول الحق تبارك وتعالى الذي يزيل من النفوس المرارة: وينزل عليها السكينة والطمأنينة:

هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما

[الفتح: 25]. وهكذا أخبر الله المؤمنين بسبب عدم السماح لهم بدخول مكة لأن فيها عددا من المؤمنين والمؤمنات الذين يكتمون إيمانهم، وهؤلاء غير مميزين لأنهم مختلطون بالكفار وليس لهم مكان محدد بحيث يستطيع المؤمنون معرفتهم وتمييزهم، فلا يتعرضون لهم في قتالهم داخل مكة، ولو نشب القتال فعلا لتم قتل عدد كبير من هؤلاء المؤمنين والمؤمنات المقيمين في مكة بأيدي المؤمنين، ولكان عارا أن يقتل مؤمن مؤمنا أو مؤمنة.

هنا عرف الصحابة العلة وهي صيانة دم المؤمنين. وفي الوقت ذاته نجد أن صلح الحديبية جعل الدعوة الإسلامية تنتشر في الجزيرة العربية كلها. وقد اعتبره بعض الصحابة رضوان الله عليهم الفتح الحقيقي للإيمان، وجاء في ذلك تلك المقولة المأثورة: " لا فتح في الإسلام بعد فتح الحديبية " ولكن الناس لم يتسع فكرهم إلى الحكمة مما حدث، والعباد دائما يعجلون. والله لا يعجل لعجلة عباده حتى يبلغ الأمر ما أراد. وقد انتشر الإسلام في الجزيرة العربية بالدعوة، وزاد عدد المسلمين زيادة كبيرة. إذن فمراحل الإيمان بدأت بمرحلة التعذيب والاضطهاد، ثم مرحلة محاولة الخداع للقضاء على هذا الدين، ثم المرحلة الثالثة وهي التعاهد والتعاقد، ولقد وفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهده، ولكن قريشا نقضت العهد بأن أعانت قبيلة بني بكر وهم حلفاؤها على قبيلة خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بنو بكر بمهاجمة قبيلة خزاعة وقتلوهم وهم يصلون، وذهب مندوب قبيلة خزاعة مستنجدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهاء المعاهدة التي أبرمت بينه وبين قريش لنقض قريش العهد وأعد جيشا لفتح مكة وتطهير البيت الحرام من الأصنام، وبعد أن تم فتح مكة في العام الثامن الهجري، أراد الله سبحانه وتعالى أن يطهر بيته من المشركين وأن يعلن أنه لا مهادنة بين الإيمان والكفر. لقد أراد الله أن يحرر " المكان " وهو أرض الكعبة أولا، ثم يحرر " المكين " وهم البشر فلا بد - إذن - أن تتطهر الكعبة من الأوثان، وأن يمنع العراة من الطواف حول البيت الحرام ويمنع المشركون من الوجود في البلد الآمن بالإسلام. وسبق حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع العلاقات وإنهاء المعاهدات، لكن سماحة الإيمان وحب الله لخلقه جميعا لم يجعله يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقطع المعاهدة فورا، أو أن يقاتل المؤمنون المشركين ويأسروهم فورا، لا، بل منحهم أربعة أشهر لعلهم يفيئون إلى الإسلام وأن يتوبوا إلى بارئهم. لقد بين سبحانه وتعالى للكافرين أن هذه المدة لن تفيدهم في حربهم ضد الإسلام لأنهم غير معجزي الله في الأرض، أي لن يعجز الله استعدادهم أو مكرهم أو أي شيء يفعلونه خلال هذه الأشهر الأربعة، فإذا انتهت هذه الأشهر وقعت العقوبة على الكفار إما بالقتل وإما بالحصار، أو بالترصد، أو عليهم أن يدبروا أمر حياتهم بالسياحة في الأرض ما داموا قد أصروا على الكفر لأن حكما من الله قد نزل بعدم وجود المشركين في هذه البقعة المقدسة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٠٠