تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا

[الإسراء: 24]. بل إن الإسلام يعطي التربية الإيمانية للابن حتى قبل الحمل، فيأمر الأب أن يختار الأم ذات الدين لتكون وعاء صالحا، ويأمر الأم أن تختار الرجل المتدين ليكون أبا صالحا. إذن فالإسلام يخدم الصبي قبل أن يولد باختيار الأب الصالح والأم الصالحة، ويخدمه بعد أن يولد بتربيته التربية الإسلامية السليمة، وعلى ذلك فالصبي قد استفاد بكل هذه القيم من الإسلام، والذي بلغنا منهج الإسلام هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن هنا فالتربية الإسلامية لنا جميعا لذلك يجب علينا أن نرد التحية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمنا أن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم. فلو أن صبيا أعطى الأمان لكافر جاء ليسمع كلام الله قبلت منه هذه الإجارة أو هذا الأمان، ذلك أن الصبي استفاد من تربية إسلامية جاء بها المنهج المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستفاد من أمه التي تحملت حمله وآلام وضعه، ولولا أن الإسلام حمى النفس حين توجد في الرحم لأمكن للمرأة حين يتعبها الحمل أن تجهض نفسها أو أن تطرح الصبي بعيدا، ولكن الإسلام حمى الطفل وهو في بطن أمه، وحماه حتى تكتمل رضاعته، وتمتثل الأم المسلمة لكل أحكام الإسلام:

والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين..

[البقرة: 233]. لقد احترم الإسلام الطفل، وسانده، وطلب من الأب والأم أن يحسنا تسمية أولادهما وأن يحسنا تربيتهما. وقبل أن يوجد هذا الطفل في رحم أمه حماه الإسلام - كما قلنا - بأن أمر الرجل أن يختار الأم الصالحة لتكون وعاء صالحا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: فيما يرويه عنه أبو حاتم المزني قال:

" " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير " قالوا يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه " ثلاث مرات ".

وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: في حديث له:

" فاظفر بذات الدين تربت يداك ".

والحديث فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه يقول: قال صلى الله عليه وسلم

" تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ".

فإذا كان الإسلام قد احترم هذا الصبي في كل حقوقه، ألا يحترمه المسلمون؟. وقد يقال إن الصبي منتفع بالإسلام، أما المجنون فلا عقل له حتى إن الله عز وجل قد أعفاه من التكاليف، ونقول: انظروا إلى المجنون بالنسبة لأصحاب العقول، صاحب العقل قصارى ما يصل إليه أن تكون كلمته نافذة لا يعترض عليه أحد، وأن يقول ما يريد ولا يحاسبه أحد، أما المجنون فهو يصل إلى هذا لأنه إن قال قولا فلا أحد يعترض عليه، وإن فعل فعلا غير لائق فلا أحد يحاسبه، بل إنه سبحانه وتعالى لا يحاسبه يوم القيامة. إذن فالمجنون قد أخذ حظا أكثر مما يأخذه العقلاء، وصار جنونه حماية وحصانة له إن قال كلمة الحق التي قد تؤذي ذوي النفوذ فلا يعاقبه أحد، ويكفي أن يقال إنه مجنون حتى يعفى من العقاب، ورب كلمة حق واحدة تصدر من مجنون تكون أرجح عند الله عز وجل من أصحاب عقول كثيرة ظلوا طوال حياتهم ينافقون ويكذبون ويفعلون ما يغضب الله. إذن فهناك مهمة في الحياة قد يؤديها المجنون ولا يؤديها العاقل، لأن بعض الناس يعتقد أنه إذا سلب الله أحد البشر شيئا فإنه يميز عنه الآخرين، نقول: لا، لأن عدل الله يأبى إلا أن يعوضه، ولذلك تجد من فقد عينيه يجعل الله عز وجل عيون الناس في خدمته هذا يأخذ بيده وهذا يقوده في الطريق، وهذا يحضر له الطعام والشراب، وهذا يسقيه.

.. إلخ. وإن كان الإنسان أعرج مثلا، تجد هذا يعاونه، وهذا يأخذه معه في سيارته، وقد تقف له سيارة أجرة تأخذه إلى حيث يريد. بينما يقضي السليم الساعات يبحث عن سيارة الأجرة بلا فائدة. بل إنك إن نظرت إلى الفقير تجد أن الله قد جعل له عددا من الأغنياء في خدمته، ففلان يحرث ويعزق ويعطيه الله خير الزراعة ليبيعه ويفيض منه على الفقير، وآخر يصنع ويتعب ويشقى ليعطي بعضا من دخله للفقير، بل إنه يشقى مرة أخرى ليعثر على الفقير حقا ليعطيه بعضا من ماله، والفقير بالفعل يستحق أن يأخذ شريطة ألا يكون مدعيا للفقر. فما دام قد قبل حكم الله بالفقر والعجز، يوضح له ربه: لقد رضيت بأني أعجزتك، فخذ من قدرة الأغنياء ما يعينك في حياتك، فهذا ملك كوني له نظام، وأقول ذلك حتى نفهم أن الغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف، إنما هي أغيار، ولذلك لا أحد يضمن غده، وعلى الواحد منا إن كان قادرا أن يعطي الفقير، حتى إذا ضاع منا المال وجدنا من يعطينا، وأن نساعد المريض، حتى إذا مرضنا وجدنا من يساعدنا، وأن نكون في خدمة الناس وقت شدتهم حتى يكونوا في خدمتنا وقت شدتنا. وفي نفس الوقت حين نرى من حرمه الله من البصر يجب علينا أن نشكر نعمة الله علينا، ولو رأينا إنسانا يعاني في مشيه تنبهنا إلى نعمة الله في أن أعطانا قدرة المشي. وهكذا فالإنسان لا يتنبه إلى النعمة إلا إذا رأى من هو محروم منها. وكذلك أراد الحق أن يرضي كل ذي آفة قبل آفته ولم يتمرد عليها لذلك يفيض عليه بالخير. إذن فكل إنسان أسلم يستفيد من الإسلام حتى الصبي والمجنون استفادا من الإسلام، ولذلك فلا بد أن نرد التحية لمن بلغنا هذا المنهج الذي أعطانا الحماية، فنقرأ المنهج ونعمل به. وحين نستقرئ حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نجده يرد جميل كل من ساعده، ومثال ذلك حليمة السعدية التي نالت شرف إرضاعه صلى الله عليه وسلم وهو صغير، ثم أكرمها الرسول هي وأسرتها بعد أن صار نبيا. ثم ألم يذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ليطلب النصير له في تبليغ الدعوة بعد وفاة خديجة رضي الله عنها ووفاة عمه أبي طالب، وعز عليه النصير وفكر في العودة إلى مكة، والتمس من يجيره حين يدخلها فأجاره واحد من الكفار هو المطعم بن عدي، فإذا كان كافر قد أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدعو لمحاربة الكفر أفلا نجير واحدا من الكفار لنرد التحية بخير منها؟ وإذا كان واحد من الكفار قد أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة فلا بد أن يرد المؤمنون كلهم التحية بأن يجيروا من يستجير بهم من الكفار.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٠٢