تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحرم عليهم الخبآئث

الأعراف 157. ومن قال بذلك الشافعي وابو حنيفة، وأحمد وابن شهاب وعروة وغيرهم - رحمهم الله تعالى -. ورخص في أكل ذلك مالك، واشترط في جواز أكل الحيات أن يؤمن سمها. وممن روي عنه الترخيص في أكل الحشرات، الأوزاعي، وابن أبي ليلى، واحتجوا بما رواه أبو داود والبيهقي، من حديث ملقام بن تلب، عن أبيه تلب بن ثعلبة بن ربيعة التميمي العنبري، رضي الله عنه قال صحبت النبي صلى الله عليه وسلم، فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما. واحتجوا أيضا بأن الله حرم أشياء، وأباح أشياء، فما حرم فهو حرام، وما أباح فهو مباح، وما سكت عنه فهو عفو. وقالت عائشة، رضي الله عنها في الفأرة ما هي بحرام، وقرأت قوله تعالى

قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما

الأنعام 145 الآية. ويجاب عن هذا بأن ملقام بن تلب مستور لا يعرف حاله، وبأن قول أبيه تلب بن ثعلبة، رضي الله عنه، لم أسمع لحشرة الأرض تحريما لا يدل على عدم تحريمها، كما قاله الخطابي، والبيهقي.

لأن عدم سماع صحابي لشيء لا يقتضي انتفاءه كما هو معلوم، وبأنه تعالى لم يسكت عن هذا. لأنه حرم الخبائث، وهذه خبائث لا يكاد طبع سليم يستسيغها، فضلا عن أن يستطيبها، والذين يأكلون مثل هذه الحشرات من العرب، إنما يدعوهم لذلك شدة الجوع، كما قال أحد شعرائهم

أكلنا الربى يا أم عمرو ومن يكن غريبا لديكم يأكل الحشرات

والربى جمع ربية، وهي الفأرة. قاله القرطبي، وفي اللسان أنها دوبية بين الفأرة وأم حبين، ولتلك الحاجة الشديدة لما سئل بعض العرب عما يأكلون. قال كل ما دب ودرج، إلا أم حبين، فقال لتهن أم حبين العافية. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتل الفأرة، وما ذكر معها من الفواسق، فدل ذلك على عدم إباحتها. واعلم أن ما ذكره بعض أهل العلم كالشافعي. من أن كل ما يستخبثه الطبع السليم من العرب الذين نزل القرآن عليهم في غير حال ضرورة الجوع حرام. لقوله تعالى

ويحرم عليهم الخبآئث

الأعراف 157 الآية. استدلال ظاهر لا وجه لما رده به أهل الظاهر من أن ذلك أمر لا يمكن أن يناط به حكم. لأنه لا ينضبط. لأن معنى الخبث معروف عندهم، فما اتصف به فهو حرام، للآية. ولا يقدح في ذلك النص على إباحة بعض المستخبثات، كالثوم. لأن ما أخرجه الدليل يخصص به عموم النص، ويبقى حجة فيما لم يخرجه دليل، كما قدمنا. ويدخل فيه أيضا كل ما نص الشرع على أنه خبيث، إلا لدليل يدل على إباحته، مع إطلاق اسم الخبث عليه. واستثنى بعض أهل العلم من حشرات الأرض الوزغ، فقد ادعى بعضهم الإجماع على تحريمه، كما ذكره ابن قدامة في المغني عن ابن عبد البر. قال مقيده - عفا الله عنه - ويدل له حديث أم شريك المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ، وكذلك روى الشيخان أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، موصولا عند مسلم، ومحتملا للإرسال عند البخاري، فإن قوله وزعم سعد بن أبي وقاص أنه أمر بقتله، محتمل لأن يكون من قول عائشة، ومحتمل لأن يكون من قول عروة، وعليهما، فالحديث متصل، ويحتمل أن يكون من قول الزهري، فيكون منقطعا، واختاره ابن حجر في الفتح، وقال كأن الزهري وصله لمعمر وصله لمعمر، وأرسله ليونس. اه، ومن طريق يونس رواه البخاري، ومن طريق معمر رواه مسلم، وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعا، الترغيب في قتل الوزغ، وكل ذلك يدل على تحريمه. واختلف العلماء أيضا في ابن آوى وابن عرس فقال بعض العلماء بتحريم أكلهما، وهو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - قال في المغني سئل أحمد عن ابن آوى، وابن عرس.

فقال كل شيء ينهش بأنيابه من السباع، وبهذا قال أبو حنيفة، وأسحابه اه. ومذهب الشافعي - رحمه الله - الفرق بينهما، فابن عرس حلال عند الشافعية بلا خلاف، لأنه ليس له ناب قوي، فهو كالضب، واختلف الشافعية في ابن آوى. فقال بعضهم يحل أكله، لأنه لا يتقوى بنابه فهو كالأرنب. والثاني لا يحل. لأنه مستخبث كريه الرائحة، ولأنه من جنس الكلاب، قاله النووي، والظاهر من مذهب مالك كراهتهما. وأما الوبر، واليربوع، فأكلهما جائز عند مالك وأصحابه. وهو مذهب الشافعي، وعليه عامة أصحابه، إلا أن في الوبر وجها عندهم بالتحريم. وقد قدمنا أن عمر أوجب في اليربوع جفرة، فدل ذلك على أنه صيد، ومشهور مذهب الإمام أحمد أيضا جواز أكل اليربوع، والوبر. وممن قال بإباحة الوبر عطاء وطاوس، ومجاهد، وعمرو بن دينار، و ابن المنذر، وأبو يوسف. وممن قال بإباحة اليربوع أيضا عروة، وعطاء الخراساني، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب المغني. وقال القاضي من الحنابلة بتحريم الوبر، قال في المغني، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف، وقال أيضا إن أبا حنيفة. قال في اليربوع أيضا هو حرام، وروي ذلك عن أحمد أيضا، وعن ابن سيرين والحكم، وحماده. لأنه يشبه الفأر، ونقل النووي في شرح المهذب عن صاحب البيان عن أبي حنيفة تحريم الوبر، واليربوع، والضب، والقنفذ، وابن عرس. وممن قال بإباحة الخلد والضربوب مالك وأصحابه. وأما الأرنب فالتحقيق أن أكلها مباح لما ثبت في الصحيحين عن أنس، رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم " أهدي له عضو من أرنب فقبله " ، وفي بعض الروايات " فأكل منه " ، وقال ابن قدامة في المغني أكل الأرنب سعد بن أبي وقاص، ورخص فيها أبو سعيد، وعطاء، وابن المسيب، والليث، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. ولا نعلم أحدا قائلا بتحريمها، إلا شيئا روي عن عمرو بن العاص. اه. وأما الضب فالتحقيق أيضا جواز أكله لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال " كلوا أو أطعموا فإنه حلال ". وقال " لا بأس به، ولكنه ليس من طعامي " يعني الضب، ولما ثبت أيضا في الصحيحين من حديث خالد، رضي الله عنه " أنه أكل ضبا في بيت ميمونة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه " ، وقد قدمنا قول صاحب البيان عن أبي حنيفة بتحريم الضب. ونقله في المغني عن أبي حنيفة أيضا، والثوري تحريم الضب، ونقل عن علي النهي عنه، ولم نعلم لتحريمه مستندا، إلا ما رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر، رضي الله عنه،

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٣٢٣