تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل لا أجد في مآ أوحي إلي

الأنعام 145 الآية. قال مقيده - عفا الله عنه - اعلم أنا نريد في هذا المبحث أن نبين حجة من قال بعدم تحريم لحوم السباع والحمير ونحوها، وحجة من قال بمنعها، ثم نذكر الراجح بدليله. واعلم أولا أن دعوى أنه لا يحرم مطعوم غير الأربعة المذكورة في هذه الآية باطلة. بإجماع المسلمين لإجماع جميع المسلمين، ودلالة الكتاب والسنة على تحريم الخمر فهو دليل قاطع على تحريم غير الأربعة. ومن زعم أن الخمر حلال لهذه الآية. فهو كافر بلا نزاع بين العلماء، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذين استدلوا بهذه الآية على عدم تحريم ما ذكر قالوا إن الله حصر المحرمات فيها في الأربعة المذكورة، وحصرها أيضا في النحل فيها في قوله

إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به

النحل 115 لأن إنما أداة حصر عند الجمهور، والنحل بعد الأنعام، بدليل قوله في النحل

وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل

النحل 118 الآية. والمقصوص المحال عليه هو المذكور في الأنعام في قوله

وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر

الأنعام 146 الآية، ولأنه تعالى قال في الأنعام

سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا

الأنعام 148 الآية. ثم صرح في النحل بأنهم قالوا ذلك بالفعل في قوله

وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء

النحل 35 الآية. فدل ذلك على أن النحل بعد الأنعام، وحصر التحريم أيضا في الأربعة المذكورة في سورة البقرة في قوله

إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل به لغير الله

البقرة 173 فقالوا هذا الحصر السماوي الذي ينزل به الملك مرة بعد مرة في مكة في الأنعام، والنحل، وفي المدينة عند تشريع الأحكام في البقرة لا يمكننا معارضته، ولا إخراج شيء منه إلا بدليل قطعي المتن. متواتر كتواتر القرآن العظيم. فالخمر مثلا دل القرآن على أنها محرمة فحرمناها، لأن دليلها قطعي. أما غيرها، كالسباع والحمر والبغال فأدلة تحريمها أخبار آحاد يقدم عليها القاطع وهو الآيات المذكورة آنفا. تنبيه اعلم أن ما ذكره القرطبي وغيره من أن زيادة تحريم السباع والحمر مثلا بالسنة على الأربعة المذكورة في الآيات - كزيادة التغريب بالسنة على جلد الزاني مائة الثابت بالقرآن - وزيادة الحكم بالشاهد واليمين في الأموال الثابت بالسنة على الشاهدين، أو الشاهد والمرأتين المذكور في قوله تعالى

فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان

البقرة 282 الآية. غير ظاهر عندي. لوضوح الفرق بين الأمرين، لأن زيادة التغريب والحكم بالشاهد واليمين على آية

الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما

النور 2 الآية. في الأول، وآية ﴿ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ﴾ الآية. في الثاني زيادة شيء لم يتعرض له القرآن بنفي ولا إثبات، ومثل هذه الزيادة لا مانع منه عند جمهور العلماء، لأن الزيادة على النص ليست نسخا له عند الجمهور، خلافا لأبي حنيفة - رحمه الله. وبناء على ذلك منع التغريب والحكم بالشاهد واليمين، لأن الزيادة عنده نسخ، والقرآن لا ينسخ بأخبار الآحاد، لأنه قطعي المتن وليست كذلك، أما زيادة محرم آخر على قوله

قل لا أجد في مآ أوحي إلي

الأنعام 145 الآية. فليست زيادة شيء سكت عنه القرآن كالأول، وإنما هي زيادة شيء نفاه القرآن لدلالة الحصر القرآني على نفي التحريم عن غير الأربعة المذكورة، وبين الأمرين فرق واضح، وبه تعلم أن مالكا - رحمه الله - ليس ممن يقول بأن الزيادة على النص نسخ، اللهم إلا إذا كانت الزيادة أثبتت ما كان منفيا بالنص قبلها، فكونها إذن ناسخة واضح، وهناك نظر آخر، قال به بعض العلماء وهو أن إباحة غير الربعة المذكورة من الإباحة العقلية المعروفة عند أهل الأصول بالبراءة الأصلية، وهي استصحاب العدم الأصلي، لأن الأصل عدم تحريم شيء إلا بدليل، كما قاله جمع من أهل الأصول. وإذا كانت إباحته عقلية فرفعها ليس بنسخ حتى يشترط في ناسخها التواتر، وعزا ابن كثير في تفسيره هذا القول بعدم النسخ للأكثرين من المتأخرين. قال مقيده - عفا الله عنه - وكونه نسخا أظهر عندي، لأن الحصر في الآية يفهم منه إباحة ما سوى الأربعة شرعا فتكون إباحة شرعية لدلالة القرآن عليها، ورفع الإباحة الشرعية نسخ بلا خلاف، وأشار في مراقي السعود إلى أن الزيادة التي لا تناقض الحكم الأول ليست نسخا بقوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٣١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٣١٦