تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض

البقرة 267 الآية. وبعموم قوله صلى الله عليه وسلم

" فيما سقت السماء العشر "

الحديث ولم يقبل تخصيصه بحديث

" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة "

لأن القاعدة المقررة في أصوله رحمه الله أن العام قطعي الشمول، والتناول لجميع أفراده كما أشار له في " مراقي السعود " بقوله

وهو على فرد يدل حتما وفهم الاستغراق ليس جزما بل هو عند الجل بالرجحان والقطع فيه مذهب النعمان

فما كان أقل من خمسة أوسق يدخل عنده دخولا مجزوما به في عموم الآيات المذكورة، والحديث. فلا يلزم عنده تخصيص العام بالخاص، بل يتعارضان. وتقديم ما دل على الوجوب أولى من تقديم ما دل على غيره للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. وأما مالك والشافعي - رحمهما الله تعالى - فحجتهما في قولهما إنه لا زكاة غير النخل والعنب عن الأشجار، ولا في شيء من الحبوب إلا فيما يقتات ويدخر.

ولا زكاة في الفواكه ولا الخضراوات، لأن النص والإجماع دلا على وجوب الزكاة في الحنطة والشعير، والتمر والزبيب. وكل واحد منهما مقتات مدخر فألحقوا بها كل ما كان في معناها لكونه مقتاتا ومدخرا غير التمر مقتاتا ومدخرا. ولم يريا أن في الأشجار مقتاتا ولا مدخرا غير التمر والزبيب، فلم يشاركهما في العلة غيرهما من الثمار، ولذا قال جماعة من أصحاب مالك بوجوبها في التين على أصول مذهب مالك لأنه كالزبيب في الاقتيات والإدخار. وقال ابن عبد البر الظاهر أن مالكا ما كان يعلم أن التين كذلك وأما الحبوب فيوجد فيها الاقتيات والإدخار فألحقا بالحنطة والشعير كل ما كان مقتاتا مدخرا كالأرز والذرة والدخن والقطاني ونحو ذلك. - فهو إلحاق منهما - رحمهما الله - للمسكوت بالمنطوق بجامع العلة التي هي عندهما الاقتيات والإدخار. لأن كونه مقتاتا مدخرا مناسب لوجوب الصدقة فيه. لاحتياج المساكين إلى قوت يأكلون منه ويدخرون. وأما أحمد - رحمه الله - فحجته في قوله إن الزكاة تجب فيما يبقى وييبس ويكال أن ما لا ييبس ولا يبقى كالفواكه والخضراوات لم تكن تؤخذ منه الزكاة في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولا زمن الخلفاء الراشدين. ودليله في اشتراطه الكيل قوله صلى الله عليه وسلم

" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة "

قال فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن محل الواجب في الوسق، وهو خاص بالمكيل كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. أما دليل الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله على أن الفواكه والخضراوات. لا زكاة فيها فظاهر. لأن الخضراوات كانت كثيرة بالمدينة جدا والفواكه كانت كثيرة بالطائف، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أنه أخذ الزكاة من شيء من ذلك. قال القرطبي في تفسير هذه الآية. وقد كان بالطائف الرمان والفرسك والأترج، فما اعترضه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ذكره، ولا أحد من خلفائه، قلت وهذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسالة، وأن الخضراوات ليس فيها شيء، وأما الآية فقد اختلف فيها هل هي محكمة أو منسوخة، أو محمولة على الندب؟ ولا قاطع يبين أحد محاملها، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه أن الكوفة افتتحت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد استقرار الأحكام بالمدينة. أفيجوز أن يتوهم متوهم، أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل بها في دار الهجرة ومستقر الوحي، ولا خلافه أبي بكر حتى عمل بذلك الكوفيون؟ إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا، أو قال به. قلت ومما يدل على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى

يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته

المائدة 67 أتراه يكتم شيئا أمر بتبليغه أو بيانه - حاشاه من ذلك - وقال تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٣٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٣٠٧