وانظره فإن قوله ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لعللنا به فيه أن سنده الذي ساق فيه عن يزيد عن أبي الطفيل. وبهذا تعلم أن حكم الحاكم على هذا الحديث بأنه موضوع لا وجه له أما رجال إسناده فهم ثقات باعترافه هو، وقد قدمنا لك أن قتيبة تابعه فيه المفضل بن فضالة عند أبي داود والنسائي والبيهقي والدارقطني، وانفراد الثقة الضابط بما لم يروه غيره لا يعد شذوذا، وكم من حديث صحيح في الصحيحين وغيرهما انفرد به عدل ضابط عن غيره، وقد عرفت أن قتيبة لم يتفرد به، وأما متنه فهو بعيد من الشذوذ أيضا. وقد قدمنا أن مثله رواه مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه وصح أيضا مثله من حديث أنس. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وقد روى إسحاق بن راهوية حدثنا شبابة، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر ثم ارتحل "
وهذا إسناد كما ترى. وشبابة هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه وقد روى له مسلم في صحيحه، فهذا الإسناد على شرط الشيخين اه. محل الغرض منه بلفظه. وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ساق حديث إسحاق هذا ما نصه وأعل بتفرد إسحاق به عن شبابة ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان اه. منه بلفظه. وروى الحاكم في الأربعين بسند صحيح عن أنس نحو حديث إسحاق المذكور ونحوه لأبي نعيم في مستخرج مسلم قال الحافظ في بلوغ المرام بعد أن ساق حديث أنس المتفق عليه، ما نصه وفي رواية للحاكم في الأربعين بإسناد صحيح
" صلى الظهر والعصر ثم ركب "
ولأبي نعيم في مستخرج مسلم
" كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل ".
وقال ابن حجر في تلخيص الحبير بعد أن ساق حديث الحاكم المذكور بسنده ومتنه ما نصه. وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد وقد صححه المنذري من هذا الوجه والعلائي، وتعجب من كون الحاكم لم يورده في المستدرك قال وله طريق أخرى رواها الطبراني في الأوسط ثم ساق الحديث بها وقال تفرد به يعقوب بن محمد. ولا يقدح في رواية الحاكم هذه ما ذكره ابن حجر في الفتح من أن البيهقي ساق سند الحاكم المذكور ثم ذكر المتن ولم يذكر فيه زيادة جمع التقديم لما قدمنا من أن من حفظ حجة على من لم يحفظ وزيادة العدول مقبولة كما تقدم. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث معاذ الذي نحن بصدده ما نصه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن.
وقال البيهقي هو محفوظ صحيح، وعن أنس قال
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل "
رواه الإسماعيلي والبيهقي بإسناد صحيح. قال إمام الحرمين في الأساليب في ثبوت الجمع أخبار صحيحة هي نصوص لا يتطرق إليها تأويل ودليله في المعنى الاستنباط من صورة الإجماع وهي الجمع بعرفات ومزدلفة إذ لا يخفى أن سببه احتياج الحجاج إليه لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار انتهى محل الغرض منه بلفظه. والجواب عن قول أبي داود ليس في جمع التقديم حديث قائم. هو ما رأيت من أنه ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر وصح من حديث أنس من طريق إسحاق بن راهوية وأخرجه الحاكم بسند صحيح في الأربعين وأخرجه أبو نعيم في مستخرج مسلم والإسماعيلي والبيهقي وقال إسناده صحيح بلفظ
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا "
إلى آخر ما تقدم. قال الشوكاني في نيل الأوطار قد عرفت أن أحاديث جمع التقديم بعضها صحيح وبعضها حسن، وذلك يرد قول أبو داود ليس في جميع التقديم حديث قائم، والجواب عن تضعيف حديث ابن عباس المقتدم في جمع التقديم بأن في إسناده حسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس بن عبدالمطلب وهو ضعيف، هو أنه روى من طريقين أخريين بهما يعتضد الحديث حتى يصير أقل درجاته الحسن. الأول أخرجها يحيى بن عبدالحميد الحماني عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. والثانية منهما رواها إسماعيل القاضي في الأحكام عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس بنحوه قاله ابن حجر في التلخيص والشوكاني في نيل الأوطار. وقال ابن حجر في التلخيص أيضا، يقال إن الترمذي حسنه وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربي فصحح إسناده. وبهذا كله تعلم أن كلا من جمع التقديم وجمع التأخير في السفر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه صورة مجمع عليها وهي التي رواها مسلم عن جابر في حديثه الطويل في الحج كما قدمنا، وهي جمع التقديم ظهر عرفات وجمع التأخير عشاء المزدلفة. قال البيهقي في السنن الكبرى والجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين مع الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن أصحابه ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفات ثم بالمزدلفة اه.