فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم
المائدة 3 الآية. فشرط في الترخيص بالاضطرار إلى أكل الميتة كونه غير متجانف لإثم، ويفهم من مفهوم مخالفته أن المتجانف لإثم لا رخصة له والعاصي بسفره متجانف لإثم والضرورة اشد في اضطرار المخمصة منها في التخفيف بقصر الصلاة ومنع ما كانت الضرورة إليه ألجأ بالتجانف للإثم يدل على منعه به فيما دونه من باب أولى، وهذا النوع من مفهوم المخالفة من دلالة اللفظ عند الجمهور لا من القياس خلافا للشافعي وقوم كما بيناه مرارا في هذا الكتاب وهو المعروف بإلغاء الفارق وتنقيح المناط، ويسميه الشافعي القياس في معنى الأصل، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد وخالف في هذه المسألة أبو حنيفة - رحمه الله - فقال يقصر العاصي بسفره كغيره لإطلاق النصوص. ولأن السفر الذي هو مناط القصر ليس معصية بعينه، وبه قال الثوري والأوزاعي والقول الأول أظهر عندي والله أعلم.
4.103
قوله تعالى ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الصلاة كانت ولم تزل على المؤمنين كتابا أي شيئا مكتوبا عليهم واجبا حتما موقوتا أي له أوقات يجب بدخولها ولم يشر هنا إلى تلك الأوقات، ولكنه أشار لها في مواضع أخر كقوله
أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا
الإسراء 78 فأشار بقوله ﴿ لدلوك الشمس ﴾ وهو زوالها عن كبد السماء على التحقيق إلى صلاة الظهر والعصر وأشار بقوله ﴿ إلى غسق الليل ﴾ وهو ظلامه إلى صلاة المغرب والعشاء وأشار بقوله ﴿ وقرآن الفجر ﴾ إلى صلاة الصبح وعبر عنها بالقرآن بمعنى القراءة. لأنها ركن فيها من التعبير عن الشيء باسم بعضه. وهذا البيان أوضحته السنة إيضاحا كليا، ومن الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلاة كما قاله جماعة من العلماء. قوله تعالى
فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون
الروم 17-18 قالوا المراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة وأشار بقوله ﴿ حين تمسون ﴾ إلى صلاة المغرب والعشاء وبقوله ﴿ وحين تصبحون ﴾ إلى صلاة الصبح وبقوله ﴿ وعشيا ﴾ إلى صلاة العصر وبقوله ﴿ وحين تظهرون ﴾ إلى صلاة الظهر، وقوله تعالى
وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل
هود 114. وأقرب الأقوال في الآية أنه أشار بطرفي النهار إلى صلاة الصبح أوله وصلاة الظهر والعصر آخره أي في النصف الأخير منه وأشار بزلف من الليل إلى صلاة المغرب والعشاء. وقال ابن كثير يحتمل أن الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس، وكان الواجب قبلها صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وقيام الليل، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وعلى هذا فالمراد بطرفي النهار بالصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها والمراد بزلف من الليل قيام الليل. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر أن هذا الاحتمال الذي ذكره الحافظ ابن كثير - رحمه الله - بعيد. لأن الآية نزلت في أبي اليسر في المدينة بعد فرض الصلوات بزمن فهي على التحقيق مشيرة لأوقات الصلاة، وهي آية مدنية في سورة مكية وهذه تفاصيل أوقات الصلاة بأدلتها المبينة لها من السنة، ولا يخفى أن لكل وقت منها أولا وآخرا، أما أول وقت الظهر فهو زوال الشمس عن كبد السماء بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى
أقم الصلاة لدلوك الشمس
الإسراء 78 فاللام للتوقيت ودلوك الشمس زوالها عن كبد السماء على التحقيق. وأما السنة فمنها حديث أبي برزة الأسلمي عند الشيخين. كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس الحديث، ومعنى تدحض تزول عن كبد السماء. وفي رواية مسلم حين تزول.
وفي الصحيحين عن جابر - رضي الله عنه - كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، وفي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - أنه خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال