4.7
لم يبين هنا قدر هذا النصيب الذي هو للرجال والنساء مما ترك الوالدان والأقربون، ولكنه بينه في آيات المواريث كقوله
يوصيكم الله في أولادكم
النساء 11 الآيتين، وقوله في خاتمة هذه السورة الكريمة
يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة
النساء 176.
4.11
قوله تعالى ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾. لم يبين هنا حكمة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث مع أنهما سواء في القرابة. ولكنه أشار إلى ذلك في موضع آخر وهو قوله تعالى
الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم
النساء 34 لأن القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقب للنقص دائما، و المقوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائما، والحكمة في إيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة جبرا لنقصة المترقب ظاهرة جدا. قوله تعالى ﴿ فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن البنات إن كن ثلاثا فصاعدا، فلهن الثلثان وقوله ﴿ فوق اثنتين ﴾ يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك، وصرح بأن الواحدة لها النصف، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضا، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال. وقد أشار تعالى في موضعين إلى أن هذا الظرف لا مفهوم مخالفة له، وأن للبنتين الثلثين أيضا. الأول قوله تعالى ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ النساء 11 إذ الذكر يرث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة، وإلا لم يكن للذكر مثل حظ الأنثيين. لأن الثلثين ليسا بحظ لهما أصلا، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع، إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان، فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر. واعتراض بعضهم هذا الاستدلال بلزوم الدور قائلا إن معرفة أن للذكر الثلثين في الصورة المذكورة تتوقف على معرفة حظ الأنثيين. لأنه ما علم من الآية إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين. فلو كانت معرفة حظ الأنثيين مستخرجة من حظ الذكر لزم الدور ساقط. لأن المستخرج هو الحظ المعين للأنثيين وهو الثلثان، و الذي يتوقف عليه معرفة حظ الذكر هو معرفة حظ الأنثيين مطلقا، فلا دور لانفكاك الجهة. واعترضه بعضهم أيضا بأن للابن مع البنتين النصف، فيدل على أن فرضهما النصف، ويؤيد الأول أن البنتين لما استحقتا مع الذكر النصف علم أنهما إن انفردتا عنه، استحقتا أكثر من ذلك. لأن الواحدة إذا انفردت أخذت النصف، بعدما كانت معه تأخذ الثلث، ويزيده إيضاحا أن البنت تأخذ مع الابن الذكر الثلث بلا نزاع، فلأن تأخذه مع الابنة الأنثى أولى. فبهذا يظهر أنه جل وعلا، أشار إلى ميراث البنتين بقوله ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ النساء 11 كما بينا، ثم ذكر حكم الجماعة من البنات، وحكم الواحدة منهن بقوله ﴿ فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ النساء 11 ومما يزيده إيضاحا، أنه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله ﴿ فإن كن ﴾ إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهر.
الموضع الثاني هو قوله تعالى في الأختين
فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك
النساء 176. لأن البنت أمس رحما، وأقوى سببا في الميراث من الأخت بلا نزاع. فإذا صرح تعالى بأن للأختين الثلثين، علم أن البنتين كذلك من باب أولى، وأكثر العلماء على أن فحوى الخطاب، أعني مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، من قبيل دلالة اللفظ لا من قبيل القياس، خلافا للشافعي وقوم، كما علم في الأصول، فالله تبارك وتعالى لما بين أن للأختين الثلثين، أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى. وكذلك لما صرح أن لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط، ولم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات، أفهم أيضا من باب أولى أنه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين. لأنه لما لم يعط للبنات علم أنه لا تستحقه الأخوات، فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به، وهو دليل على أنه قصد أخذه منه، ويزيد ما ذكرنا إيضاحا ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وابن ماجه، عن جابر رضي الله عنه، قال