تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأنه لا بد فيه من معاصرة من أسند إليه أعني شيخ شيخه، وإلا كان منقطعا كما هو معروف في علوم الحديث وقول ابن حزم لم يعرف له منه سماع ليس بقادح. لأن المعاصرة تكفي ولا يشترط ثبوت اللقى وأحرى السماع فمسلم بن الحجاج لا يشترط في صحيحه إلا المعاصرة فلا يشترط اللقى وأحرى السماع وإنما اشترط اللقى البخاري قال العراقي في ألفيته.

وصححوا وصل معنعن سلم من دلسه رواية واللقا علم وبعضهم حكى بذا إجماعا ومسلم لم يشرط اجتماعا

لكن تعاصر إلخ. وبالجملة فلا يخفى إجماع المسلمين على صحة أحاديث مسلم مع أنه لا يشترط إلا المعاصرة وبه تعلم أن قول ابن حزم ومن وافقه إنه لا تعرف رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لا تقدح في حديثه لما علمت من أن العنعنة من غير المدلس لها حكم التحديث، ويزيد بن أبي حبيب مات سنة ثماني وعشرين بعد المائة، وقد قارب الثمانين. وأبو الطفيل ولد عام أحد ومات سنة عشر ومائة على الصحيح، وبه تعلم أنه لا شك في معاصرتهما واجتماعهما في قيد الحياة زمنا طويلا، ولا غرو في حكم ابن حزم على رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل بأنها باطلة، فإنه قد ارتكب أشد من ذلك في حكمه على الحديث الثابت في صحيح البخاري

" ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعارف "

بأنه غير متصل ولا يحتج به بسبب أن البخاري قال في أول الإسناد قال هشام بن عمار ومعلوم أن هشام بن عمار من شيوخ البخاري وأن البخاري بعيد جدا من التدليس وإلى رد هذا على ابن حازم أشار العراقي في ألفيته بقوله

وإن يكون أول الإسناد حذف مع صيغة الجزم فتعليقا عرف ولو إلى آخره أما الذي لشيخه عزا بقال فكذى عنعنة كخبر المعازف لا تصغ لابن حازم المخالف

مع أن المشهور عن مالك وأحمد وأبي حنيفة - رحمهم الله - الاحتجاج بالمرسل، والمرسل في اصطلاح أهل الأصول ما سقط منه راو مطلقا فهو بالاصطلاح الأصولي يشمل المنقطع والمعضل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى كما صرح به غير واحد وهو اضح والجواب عن القدح في أبي الطفيل بأنه كان حامل راية المختار مردود من وجهين الأول أن أبا الطفيل صحابي وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قاله مسلم وعقده ناظم عمود النسب بقوله

آخر من مات من الأصحاب له أبو الطفيل عامر بن واثلة

وأبو الطفيل هذا هو عامر بن واثلة بن عبدالله بن عمرو بن جحش الليثي نسبة إلى ليث بن بكر بن كنانة، والصحابة كلهم - رضي الله عنهم - عدول وقد جاءت تزكيتهم في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم في محله والحكم لجميع الصحابة بالعدالة هو مذهب الجمهور وهو الحق وقال في مراقي السعود

وغيره رواية والصحب تعديلهم كل إليه يصبو واختار في الملازمين دون من رآه إمام مؤتمن

والوجه الثاني هو ما ذكره الشوكاني - رحمه الله - في نيل الأوطار وهو أن أبا الطفيل إنما خرج مع المختار على قاتلي الحسين - رضي الله عنه - وأنه لم يعلم من المختار إيمانه بالرجعة، والجواب عن قول الحاكم إنه موضوع بأنه غير صحيح بل هو ثابت وليس بموضوع. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلم يعني الحاكم، وقال ابن القيم أيضا في زاد المعاد قال الحاكم هذا الحديث موضوع وإسناده على شرط الصحيح لكن رمي بعلة عجيبة، قال الحاكم حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالوية، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم

" كان في عزوة تبوك إلى أن قال وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جمعا ثم سار "

الحديث قال الحاكم هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن ثم لا نعرف له علة بها فلو كان الحديث عن الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولا، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل، فقلنا الحديث شاذ وقد حدثوا عن أبي العباس الثقفي قال كان قتيبة بن سعيد يقول لنا على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل وعلى ابن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عد قتيبة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث، وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علة ثم قال فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون اه. محل الغرض منه بتصرف يسير لا يخل بشيء من المعنى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٨٣