4.15
قوله تعالى ﴿ فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾. لم يبين هنا هل جعل لهن سبيلا أو لا؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنه جعل لهن السبيل بالحد كقوله في البكر
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما
النور 2 الآية. وقوله في الثيب ﴿ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ﴾ لأن هذه الآية باقية الحكم كما صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأرضاه وإن كانت منسوخة التلاوة. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن حكم الرجم مأخوذ أيضا من آية أخرى محكمة غير منسوخة التلاوة وهي قوله تعالى
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون
آل عمران 23 فإنها نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا وهما محصنان ورجمهما النبي صلى الله عليه وسلم، فذمه تعالى في هذا الكتاب للمعرض عما في التوراة من رجم الزاني المحصن، دليل قرآني واضح على بقاء حكم الرجم، ويوضح ما ذكرنا من أنه تعالى جعل لهن السبيل بالحد قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح
" خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا "
الحديث.
4.22
قوله تعالى ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء ﴾ الآية. نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نكاح المرأة التي نكحها الأب، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب هل هو العقد أو الوطء، ولكنه بين في موضع آخر أن اسم النكاح يطلق على العقد وحده، وإن لم يحصل مسيس وذلك في قوله تعالى
يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن
الأحزاب 49 فصرح بأنه نكاح وأنه لا مسيس فيه. وقد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه وإن لم يمسها الأب، وكذلك عقد الابن محرم على الأب إجماعا، وإن لم يمسها وقد أطلق تعالى النكاح في آية أخرى مريدا به الجماع بعد العقد، وذلك في قوله
فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره
البقرة 230. لأن المراد بالنكاح هنا ليس مجرد العقد، بل لا بد معه من الوطء كما قال صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة القرظي " لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " يعني الجماع ولا عبرة بما يروى من المخالفة عن سعيد بن المسيب. لوضوح النص الصريح الصحيح في عين المسألة. ومن هنا قال بعض العلماء لفظ النكاح مشترك بين العقد والجماع، وقال بعضهم هو حقيقة في الجماع مجاز في العقد. لأنه سببه وقال بعضهم بالعكس. تنبيه قال بعض العلماء إن لفظة ﴿ ما ﴾ النساء 22 من قوله ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ النساء 22 مصدرية وعليه فقوله ﴿ من النسآء ﴾ النساء 22 متعلق بقوله ﴿ تنكحوا ﴾ النساء 22 لا بقوله ﴿ نكح ﴾ النساء 22 وتقرير المعنى على هذا القول ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم أي لا تفعلوا ما كان يفعله آباؤكم من النكاح الفاسد، وهذا القول هو اختيار ابن جرير، والذي يظهر وجزم به غير واحد من المحققين أن ﴿ ما ﴾ النساء 22 موصولة واقعة على النساء التي نكحها الآباء، كقوله تعالى
فانكحوا ما طاب لكم من النسآء
النساء 3 وقد قدمنا وجه ذلك. لأنهم كانوا ينكحون نساء آبائهم كما يدل له سبب النزول، فقد نقل ابن كثير عن أبي حاتم أن سبب نزولها. أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت خطب ابنه امرأته، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال ارجعي إلى بيتك فنزلت ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ النساء 22 الآية. قال مقيده - عفا الله عنه - نكاح زوجات الآباء كان معروفا عند العرب، وممن فعل ذلك أبو قيس بن الأسلت المذكور، فقد تزوج أم عبيد الله وكانت تحت الأسلت أبيه، وتزوج الأسود بن خلف ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار وكانت تحت أبيه خلف، وتزوج صفوان بن أمية فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد.