تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ".

وقد صحح هذا الحديث النووي وابن حزم، وأعله الدارقطني في العلل بالإرسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى عن أنس فقال " بضع عشرة " وبهذا اللفظ أخرجه البيهقي وهو ضعيف. قال البيهقي بعد إخراجه له ولا أراه محفوظا، وقد روي من وجه آخر عن جابر " بضع عشرة " اه.

وقد اختلف فيه على الأوزاعي ذكره الدارقطني في العلل وقال الصحيح عن الأوزاعي عن يحيى أن أنسا كان يفعله. قال ابن حجر ويحيى لم يسمع من أنس. وقال النووي في شرح المهذب قلت ورواية المسند تفرد بها معمر بن راشد وهو إمام مجمع على جلالته وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح. لأن الصحيح أنه إذا تعارض في الحديث إرسال وإسناد حكم بالمسند اه. منه وعقده صاحب المراقي بقوله

والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ

إلخ... واستدل أيضا من قال بأن الإقامة المجردة عن النية لا تقطع حكم السفر بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنهما - قال " غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول

" يا أهل البلدة صلوا اربعا فإنا سفر "

فقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فإنا سفر مع إقامته ثماني عشرة يدل دلالة واضحة على أن المقيم من غير نية الإقامة يصدق عيه إسم المسافر، ويؤيده حديث

" إنما الأعمال بالنيات "

وهذا الحديث حسنه الترمذي وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. قال ابن حجر وإنما حسن الترمذي حديثه لشاهده ولم يعتبر الاختلاف في المدة كما علم من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق اه. وعلي بن زيد المذكور أخرج له مسلم مقرونا بغيره. وقال الترمذي في حديثه في السفر حسن صحيح وقال صدوق ربما رفع الموقوف ووثقه يعقوب بن شيبة. وقال بعض أهل العلم اختلط في كبره، وقد روى عنه شعبة، والثوري، وعبد الوراث، وخلق. وقال الدارقطني إنما فيه لين، والظاهر أن قول الدارقطني هذا أقرب للصواب فيه، لكن يتقى منه ما كان بعد الاختلاط. اه. إلى غير ذلك من الأدلة على أن الإقامة دون نيتها لا تقطع حكم السفر، " وقد أقام الصحابة برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة ". رواه البيهقي بإسناد صحيح، وتضعيفه بعكرمة بن عمار مردود بأن عكرمة المذكور من رجال مسلم في صحيحه. وقد روى أحمد في مسنده عن ثمامة بن شراحيل عن ابن عمر أنه قال " كنت بأذربيجان لا أدري قال أربعة اشهر أو شهرين فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين " وأخرجه البيهقي. وقال ابن حجر في التلخيص إن إسناده صحيح اه. ومذهب مالك الفرق بين العسكر بدار الحرب فلا يقصر وبين غيره فيقصر بنية إقامة أربعة أيام صحاح. الفرع الخامس إذا تزوج المسافر ببلد أو مر على بلد فيه زوجته أتم الصلاة. لأن الزوجة في حكم الوطن، وهذا هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأصحابهما، وأحمد، وبه قال ابن عباس وروي عن عثمان بن عفان، واحتج من قال بهذا القول بما رواه الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي في مسنديهما عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - " أنه صلى بأهل منى اربعا وقال يا ايها الناس لما قدمت تأهلت بها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

" إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة المقيم ".

قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد بعد أن ساق هذا الحديث وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان. يعني في مخالفته النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر في قصر الصلاة في منى وأعل البيهقي حديث عثمان هذا بانقطاعه وأن في إسناده عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف. قال ابن القيم قال أبو البركات بن تيمية ويمكن المطالبة بسبب الضعف فإن البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه وعادته ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك وأصحابهما اه. منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن أحسن ما يعتذر به عن عثمان، وعائشة في الإتمام في السفر أنهما فهما من بعض النصوص أن القصر في السفر رخصة، كما ثبت في صحيح مسلم أنه " صدقة تصدق الله بها " اه. وأنه لا بأس بالإتمام لمن لا يشق عليه ذلك كالصوم في السفر ويدل لذلك ما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة " أنها كانت تصلي أربعا قال فقلت لها لو صليت ركعتين فقالت يا ابن أختي إنه لا يشق علي " وهذا أصرح شيء عنها في تعيين ما تأولت به والله أعلم. الفرع السادس لا يجوز للمسافر في معصية القصر. لأن الترخيص له والتخفيف عليه إعانة له على معصيته، ويستدل لهذا بقوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٧٤