" لا تختلفوا على إمامكم "
وممن ذهب إلى ذلك الشعبي وطاوس وداود الظاهري وغيرهم. وأما معارضته بمخالفة بعض الصحابة لها كابن عباس، فجوابه ما قدمناه آنفا عن ابن كثير من أن صلاة الحضر لما زيد فيها واستقر ذلك صح أن يقال إن فرض صلاة الحضر أربع كما قال ابن عباس. وأما تضعيفه بالاضطراب فهو ظاهر السقوط. لأنه ليس فيه اضطراب أصلا، ومعنى فرض الله وفرض رسول الله واحد. لأن الله، هو المشرع والرسول هو المبين، فإذا قيل فرض رسول الله كذا فالمراد أنه مبلغ ذلك عن الله فلا ينافي أن الله هو الذي فرض ذلك كما قال تعالى
من يطع الرسول فقد أطاع الله
النساء 80 ونظيره حديث
" إن إبراهيم حرم مكة "
مع حديث
" إن مكة حرمها الله "
الحديث. وأما رده بأن المغرب والصبح لم يزد فيهما فهو ظاهر السقوط أيضا. لأن المراد بالحديث الصلوات التي تقصر خاصة كما هو ظاهر، مع أن بعض الروايات عن عائشة عند ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي. قالت " فرضت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب. لأنها وتر النهار " وعند أحمد من طريق ابن كيسان في حديث عائشة المذكور " إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا ". وهذه الروايات تبين أن المراد خصوص الصلوات التي تقصر، وأما رده بأنه غير مرفوع فهو ظاهر السقوط. لأنه مما لا مجال فيه للرأي فله حكم المرفوع، ولو سلمنا أن عائشة لم تحضر فرض الصلاة فإنها يمكن أن تكون سمعت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم في زمنها معه، ولو فرضنا أنها لم تسمعه منه فهو مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل. وأما قول إمام الحرمين إنه لو ثبت النقل متواترا فهو ظاهر السقوط. لأن مثل هذا لا يرد بعدم التواتر، فإذا عرفت مما تقدم أن صلاة السفر فرضت ركعتين كما صح به الحديث عن عائشة وابن عباس وعمر - رضي الله عنهم - فاعلم أن ابن كثير بعد أن ساق الحديث عن عمر، وابن عباس، وعائشة قال ما نصه وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ النساء 101 قصر الكيفية كما في صلاة الخوف.
ولهذا قال ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ النساء 101 الآية. ولهذا قال بعدها ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ النساء 102 الآية. فبين المقصود من القصر ها هنا، وذكر صفته وكيفيته اه. محل الغرض منه بلفظه وهو واضح جدا فيما ذكرنا وهو اختيار بن جرير. وعلى هذا القول فالآية في صلاة الخوف وقصر الصلاة في السفر عليه مأخوذ من السنة لا من القرآن، وفي معنى الآية الكريمة أقوال أخر. أحدها أن معنى ﴿ أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ الاقتصار على ركعة واحدة في صلاة الخوف كما قدمنا آنفا من حديث ابن عباس عند مسلم، والنسائي، وأبي داود، وابن ماجه. وقدمنا أنه رواه ابن ماجه عن طاوس. وقد روى نحوه أبو داود، والنسائي من حديث حذيفة قال
" فصلى بهؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة ولم يقضوا "
ورواه النسائي أيضا من حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وممن قال بالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة، الثوري وإسحاق ومن تبعهما. وروي عن أحمد بن حنبل وعطاء، وجابر، والحسن، ومجاهد، والحكم، وقتادة، وحماد، والضحاك. وقال بعضهم يصلى الصبح في الخوف ركعة، وإليه ذهب ابن حزم، ويحكى عن محمد بن نصر المروزي. وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف، قال ابو هريرة، وابو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين ومنهم من قيده بشدة الخوف. وعلى هذا القول فالقصر في قوله تعالى ﴿ أن تقصروا من الصلاة ﴾ النساء 101 قصر كمية. وقال جماعة إن المراد بالقصر في قوله ﴿ أن تقصروا من الصلاة ﴾ هو قصر الصلاة في السفر. قالوا ولا مفهوم مخالفة للشرط الذي هو قوله ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ النساء 101. لأنه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة. وقد تقرر في الأصول، أن من الموانع لاعتبار مفهوم المخالفة خروج المنطوق مخرج الغالب، ولذا لم يعتبر الجمهور مفهوم المخالفة في قوله