نحن نظن أن في استطاعة المسملين أن يستفيدوا من موقف الخلافة الحاضرة
علما وأدبا استفادة لم يسبق حصولها، لأن السياسة كانت تعترض في سبيل ذلك،
فإذا كان علماء الإسلام وأهل الخير منهم يودون الاستفادة من الخلافة حقا، فإن
هنالك وسائل لا تضر أحدا. فالمسلمون في كل مكان محتاجون إلى مرشدين في
العلم والتهذيب؛ إذ إن المسلمين في بعض الأماكن (ولا نريد أن نسمي) واقفون
موقفا سيئا في جهة الاتصال بين دينهم وقوميتهم، فإذا لم تبذل العناية في تهذيبهم
وتعليمهم فإن مستقبلهم مظلم، وإنشاء الأوضاع الدينية والتهذيبية لهؤلاء يحتاج إلى
مال، فليقرر المسلمون أولا هذه الجهة. كأن نؤسس مدرسة إسلامية عملية في مقر
الخلافة لتدريس العلوم الدينية والعلوم العصرية معا. فإذا تحققت المعونة على ذلك
من المسلمين يمكن الآن أكثر مما كان ممكنا من قبل قيام الخلافة بهذه المهمة
التهذيبية.
وكما أن السيد رشيد وجه إلينا خطاب الود والصداقة في بعض فصول كتابه
فإن فيه أيضا فقرات ينتقدنا بها بشدة، وهو ينصح لنا دائما أن نستمد من الشرع
الإسلامي وأن نستنير بتاريخ الإسلام، ويعنى عناية زائدة بتوطيد أواخي الإخاء بين
المسلمين ويرى أن ضعف الحكومات الإسلامية ناشئ عن الوهن العارض من هذه
الجهة. فهو ينتقد كون شخص السلطان (مقدسا وغير مسئول) مع أن المقصود من
ذلك أنه ليس للقانون سبيل إليه وأن المسئولية في المملكة منحصرة في رئيس
الوزارة وزملائه، ولا يكون السلطان مسئولا إلا إذا باشر العمل فلا يكون حينئذ
دستوريا، والسلطان الدستوري الحقيقي عندنا هو السلطان محمد الخامس ولكن
الذين لم يرق لهم عمله من رجالنا كانوا يسمونه (الدرويش محمد) .
وينتقد السيد لغتنا بأنها ليست لغة علم، وحقا إن تقصيرنا نحن معاشر الترك
العثمانيين وغفلتنا في هذا الأمر عظيمة. ففضلا عن إهمالنا جعل التركية لغة علم
فإننا أهملناها بوجه عام، وكان شعراؤنا في مقدمة الذين أهملوها حتى جعلوها
بشكل لا يفهمها جمهور الشعب، ولم يبق فيها من التركية غير الروابط وسائرها من
العربية والفارسية. مما يؤسف له أننا إلى اليوم كلما أردنا أن نصطلح على اسم نلجأ
إلى العربية حتى إذا وجدنا فيها لفظة غير علمية نصرفها عن معناها إلى معنى آخر
ونلوكها بألسنتنا، كأن ذلك لا يكون إلا بأخذه من العربية. ولا تزال اللجنة التي في
وزارة المعارف سائرة على هذا المنهاج، ولو أمعنوا النظر لوجدوا في التركية ما يسد
في هذا المسد. ولكن ليس بيننا من يعرف التركية حقا. ولا نعلم فروعها كما يعلمها
الأستاذ فون لوكوك أستاذ التركية في برلين وذلك لأن رجالنا لم يتعودوا إزعاج
أنفسهم بالرحلة في سبيل العلم، بل كل منا يريد أن يمتلئ جيبه نقودا وأن يبقى في
بلده محتفظا براحته فلا يذهب إلى تركستان ولا إلى الأناضول لدرس اللهجات
التركية. وإن كتاب اللغة الذي هو مصدر للسان الترك إنما جاءنا به من مدينة
(كاشغر) رجل عربي من أهل طرابلس الشام [1] فأصبحنا وليس للغة التركية كتاب
صرف ولا قاموس؛ لأنه ليس عندنا رجال يحملون أنفسهم عناء الدرس والتحقيق،
فمتى يا ترى يكون عندنا هؤلاء الرجال؟ الله أعلم اه.
***
(تعليق المنار على مقالة جريدة إقدام في الخلافة)
قد كتب رصيفنا جودت بك ما كتبه وهو لم يقرأ من كتاب الخلافة إلا ما يتعلق
بالترك كله أو بعضه كما يظهر لنا، ولعله لو قرأه كله لكتب غير الذي كتبه في
الخلافة والخلفاء، والحكومة الإسلامية، وما يقابلها من الحكومات الأوروبية، ولما
كان قد نقل مما قرأه منه تعليلنا تقليد الترك للإفرنج بعدم دراستهم الشريعة دراسة
استقلالية كما يدرسون القوانين. كان ينبغي له أن يقرأ جميع مباحث هذا الكتاب
الوجيز المبين لحقيقة الخلافة وتفضيل الحكومة الإسلامية على الحكومات الإفرنجية