قبل أن يبدي رأيا في المسألة فنحن نتنقد عليه هذا ونناقشه في بعض المسائل التي
هي من لباب الموضوع فنقول:
(1) إنه لا يرى لنا حقا في مؤاخذة الترك في الرجوع إلى الطرق
الأوروبية في حكومتهم، واستدل على ذلك بأن الخلافة لم تستقم على طريقتها إلا
إلى آخر مدة عمر. (قال) : وبدأت الفوضى في زمن عثمان ... وافتات علينا
بقوله: إننا نعلم ما قاله حق العلم، ولو قرأ الكتاب لما قال هذا القول، فإن فيه ما
يخالفه. وقد أخطأ فيه خطأ آخر بطعنه في خلافتي عثمان وعلي من الراشدين
المهديين رضي الله عنهما فخالف بهذا إجماع أهل السنة، وكذا الشيعة في الطعن
في علي كرم الله وجه، ولا أقول إنه وافق الخوارج، فإن طعنه في خلافة الصهرين
غير ما ينقمونه منهما. وأخطأ أيضا في حكمه بأن الفوضى ظهرت من أول خلافة
عثمان، والصواب أن ما سماه الفوضى ليس إلا ثورة من ثار عليه رضي الله عنه،
وهي لم تظهر إلا في أواخر مدته وبدأت أسابها في الشطر الثاني منها، فقد أخرج
ابن سعد عن الزهري إمام المحدثين أنه قال: ولي عثمان الخلافة اثنتى عشرة سنة
فعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئا، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن
الخطاب لأن عمر كان شديدا عليهم، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى
في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر ... إلخ ما قاله هنا
مختصرا ورواه ابن عساكر عنه عن سعيد بن المسيب مفصلا.
والخطأ الأكبر جعله الثورة على عثمان مطعنا في شكل الحكومة الإسلامية
المعبر عنها بالخلافة - ومطعنا في كفايته وعدالته - أما الأول فباستدلاله بها على
تخطئتنا للترك في تفضيل طريقة الإفرنج في الحكومة الملكية المقيدة ثم الجمهورية
على الطريقة الإسلامية - وأما الثاني فبقوله: إن الخلافة لم تستقم إلا إلى آخر مدة
عمر، وبعدم اعترافه بعدالة أحد بعد عمر بن الخطاب إلا عمر بن عبد العزيز
ونور الدين زنكي التركي الأصل. ذلك بأن الناس ما ثاروا على عثمان بظلم اقترفه،
وإنما ثاروا بظلم بعض عماله من مجرمي بني أمية، وكم قتل الثوار في أوربة
من ملك ورئيس جمهورية ولم يعد أحد قتلهم دليلا على فساد طريقة الحكم في بلادهم،
والثورة على عثمان لم تكن عن سخط على نظام الخلافة ولا أحكام الشريعة ولا
بسبب اتهامه بمخالفتها والخروج عنها، بل أثارها ظلم بعض عماله في الظاهر،
وجمعية عبد الله بن سبأ اليهودي في الباطن.
وأما الفتن التي حدثت في خلافة علي كرم الله وجهه فقد كانت ببغي معاوية
وآله وبدسائس السبئيين أيضا، وتلا ذلك تأويلات الخوارج الباطلة. وعمر بن عبد
العزيز لم يكن على فضله بالعلم والعدل والزهد بالذي يلز بعلي في هذه الثلاث، دع
سائر مناقب علي وفضائله، وأما نور الدين فلم يكن من فرسان ميدان هذا ولا ذاك،
على ما يعرفه له التاريخ من العدل والزهد والصلاح، إذ كان عاميا مقلدا، وأين
العامي المقلد من كبار علماء مذهبه؟ وأين هم من إمام المذهب؟ وأين هؤلاء الأئمة،
المعروفون بعلماء الأمصار من عمر بن عبد العزيز؟ وأين هو من إمام الأئمة،
وأقضى قضاة الأمة، ربيب الرسول وصنوه الذي جعله منه كهارون من موسى
عليهم الصلاة والسلام؟
يكثر غلاة التفرنج من ذكر الفتن التي وقعت في عصر الإسلام الأول بين
الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، يريدون بذلك الطعن في الحكومة الإسلامية
وهم لا يعرفون من تلك الأحداث إلا بعض قشور الأخبار التاريخية، وقد خانتهم
كلهم فلسفتهم الاجتماعية فيها، ولولا ذلك لعلموا أنها أحداث كانت تقتضيها سنن
الاجتماع البشري في ملك جديد، طويل عريض، لم يعرف التاريخ له مثلا من
طريف ولا تليد، فإن جمع الإسلام لكلمة العرب المتفرقة منذ ألوف السنين في
عشرين سنة كان من المعجزات الاجتماعية التي أيد الله بها رسوله صلى الله عليه
وسلم، ثم إن استيلاءهم بهدايته على قيصرية قيصر (إمبراطورية الرومان)