تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عظميات الخسائر على العالم الإسلامي؛ لأبحاثه وتدقيقاته في قوانين أوروبا

وشئونها الاجتماعية وأبحاثها العلمية، وهو أعظم من أدخل النور على مصر وأوجد

فيها العقلية العصرية.

أريد أن أتكلم على بحث من أبحاث السيد رشيد، وهو البحث الذي عنوانه

(الترك العثمانيون والخلافة والتفرنج) (ص137) فإن السطور الواردة تحت هذا

العنوان لفتت نظري إليها، فهو يقول:

(كان أجدر المسلمين بالسبق إلى هذا - أي إلى إصلاح نظام الخلافة - رجال

الدولة العثمانية، ولا سيما الذين يقيمون في الآستانة والرومللي من بلاد أوروبا

يشاهدون تطور شعوبها وترقيهم في العلوم والفنون والنظام، ولكن دولتهم لم تكن

دولة علوم وفنون؛ لأنه لم يكن لهم لغة علمية مدونة قابلة لذلك إلا في أثناء القرن

الماضي. (وقال المؤلف) في موضع آخر من كتابه: (إن العثمانيين لم يجتهدوا

في تكوين اللغة التركية حتى تكون كذلك، ولم يكن يتعلم علوم الإسلام منهم إلا قليل

من المقلدين، ولهذا جعلوا سلطة سلاطينهم شخصية مطلقة، حتى بعد تحليتهم بلقب

الخلافة، فلما صاروا يدرسون تاريخ أوروبا وقوانينها، وثوراتها على حكوماتها

لإزالة استبدادها، ظنوا أن لا سبيل لتقييد استبدادهم ومنع ظلمهم إلا بتقليد أوربة

في شكل حكوماتها الملكية المقيدة، ثم رجحوا في هذا الزمن الجمهورية؛ لأنهم رأوا

أن جعل السلطان مقدسا غير مسئول كما قرروه في قانونهم الأساسي لم يف

بالغرض، ولو درسوا الشريعة دراسة استقلالية كما يدرسون القوانين، لوجدوا

فيها مخرجا أوسع وأفضل من القانون الأساسي السابق، ومن الخلافة الروحية

وحكومة الجمعية الوطنية الحاضرة) .

السيد رشيد يؤاخذنا لرجعونا إلى الطرق الأوروبية، ولا نراه محقا في ذلك؛

إذ هو أيضا يعلم حق العلم أن الخلافة لم تستقم في طريقها إلا إلى آخر مدة عمر،

وبدأت الفوضى زمن عثمان، فلم يعد في الإمكان إدراك مثل دوري أبي بكر وعمر.

وبعد هذين الشيخين لم يظهر من يدانيهما في العدل غير رجل واحد هو عمر

ابن عبد العزيز وآخر من الترك هو نور الدين زنكي ويعد رابعهم. ومعلوم كم ذا

الذي لقيه المسلمون من مضار الاختلاف بين الأمويين والعباسيين.

ينتقد السيد رشيد رضا جنود الترك لتغلبهم على الخلافة العباسية، نعم لقد صدر

من هؤلاء بعض أمور غير مناسبة، ولكن من المعلوم جنوح الخلفاء العباسيين بعد

ذلك إلى عدم الاعتقاد، فإذا صار الخلفاء إلى ذلك ماذا يصنع الجاهلون من الجنود

الذين في معيتهم.

والسيد رشيد يعزو كل هذه الأمور التي حلت بالإسلام إلى الفتن والمفاسد التي

نصبها مجوس فارس لتقويض هذا الدين ودك معالمه، ولكن هل مفاسد زماننا أقل

من مفاسد ذلك العهد؟ وإذا كان أولئك يدسون دسائسهم من تحت ستار فإن أمثالها

في هذا الزمان ترتكب علنا، وهذا ما فعله الشريف حسين بتركيا ماثل أمامنا، فهل

في أحكام الشرع ما يجيز قيامه على تركيا؟ إذن فهنالك أمور تتبدل بحسب الزمان.

إن الترك لم يكونوا البادئين بالانصراف إلى جامعتهم القومية. فهم لما رأوا

الحركات الموجهة إليهم قالوا: فلنفكر إذن في قوميتنا، وليس معنى ذلك أن الترك

قطعوا علاقتهم بالمسلمين، فالصلة المعنوية باقية كما كانت، ونحن سنؤسس علاقتنا

الحسنة مع جاراتنا الحكومات العربية قائلين: مضى ما مضى وسنتمسك بأواخي

الود مع كل جيراننا من عرب وعجم، دون أن نتدخل في الشئون الداخلية والآمال

القومية لأية أمة من تلك الأمم، وسنتعاون معهم علميا واقتصاديا إذا استطعنا، ولا

ننظر إليهم بعين العداء كما كنا نفعل وقتا ما. فلتعمل كل أمة من هذه الأمم على

حدتها ولتسر في طريق الحضارة والارتقاء حتى تبلغ ساحل السلامة، إن الحكمة

ضالة المؤمن ونحن سننشد هذه الضالة ونأخذها حيث وجدناها في الشرق أو الغرب،

ومن الخطأ الفاحش التعامي عن المحاسن المؤدي إلى التأخر.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٥٩