تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجعلهم من الإباحيين، وإيقاع الشقاق بينهم وبين غيرهم , ومن أهم تلك الأسباب

التي جعلتني أحتقر أكثرهم ما ثبت عندي من كونهم يتجرون بالدين اتجارا فيكذبون

ويحرفون، ومنهم الملحدون الذين لا إيمان لهم، والمقلدون المتعصبون الذين

يبغضون المسلمين بما تربوا عليه مما لا يجهله القس السائل، ولا أنكر مع هذا أنه

يوجد فيهم المتدين المخلص في دينه، ولكن هذا بحسب اختباري قليل، والله يقول

الحق وهو يهدي السبيل.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الإسلام وأصول الحكم

بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام

بل دعوة جديدة إلى نسف بنائها، وتضليل أبنائها

(تمهيد) ما زال أعداء الإسلام الطامعون في ثل عرشه والقضاء على ملكه

وإبطال تشريعه، واستعباد الشعوب التي تدين الله به، يجاهدونه بالسيف والنار،

وبالكيد والدهاء، وبالآراء والأفكار، وبإفساد العقائد والأخلاق، وبالطعن في جميع

مقومات هذه الأمة ومشخصاتها، وتقطيع جميع الروابط التي ترتبط بها شعوبها

وأفرادها، ليسهل جعلها طعمة للطامعين، وفريسة لوحوش المستعمرين، وقد كانت

هذه الحرب السياسية العلمية للإسلام والمسلمين أضر وأنكى من الحروب الصليبية

باسم الدين , فالحرب الصليبية كانت تجمع كلمة المسلمين للدفاع عن حقيقتهم

والمدافعة عن سلطتهم، وهذه الحرب المعنوية فرقت كلمتهم وشقت عصاهم،

ومزقت شمل شعوبهم، وأذاقت بعضهم بأس بعض، فصاروا عونا لأعدائهم على

أنفسهم , يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي خصومهم ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (الحشر: 2) .

قد كان آخر فوز لهذه الحرب على المسلمين محو اسم السلطنة العثمانية

الإسلامية من لوح الوجود، وإلغاء الترك لمنصب الخلافة من دولتهم الصغيرة،

التي أمكنهم استبقاؤها من تلك السلطنة العظيمة , وتأليفهم حكومة جمهورية غير

مقيدة بالشرع الإسلامي في أصول أحكامه ولا فروعها , وتصريحهم بالفصل التام

بين الدولة والدين؛ فذعر العالم الإسلامي وزلزل بعملهم هذا زلزالا شديدا،

وطرب له الإفرنج ومروجو سياستهم من نصارى الشرق وملاحدة المتفرنجين

المارقين من الإسلام، ورفع هؤلاء عقائرهم في مصر، هاتفين لعمل الترك،

وكذلك فعل أمثالهم في سائر البلاد، إلا أن هؤلاء نشطوا لجعل الحكومة المصرية

حكومة لا دينية كحكومة أنقرة فهزئ العالم الإسلامي بدعوتهم وسخر منهم , وراجت

في مقابلتها الدعوة إلى عقد مؤتمر إسلامي عام؛ لإحياء منصب الخلافة بقدر ما

تستطيعه قوى الإسلام في هذا الزمان.

بينا نحن معشر المسلمين على هذا إذا نحن بنبأة جديدة في شكلها، تؤيد تلك

النزعة الإفرنجية النصرانية في موضوعها، وتلك الفعلة الإلحادية في مشروعها.

بينا نحن كذلك إذا نحن ببدعة حديثة , لم يقل بمثلها أحد انتمى إلى الإسلام

صادقا ولا كاذبا، بدعة شيطانية لم تخطر في بال سني ولا شيعي ولا خارجي ولا

جهمي ولا معتزلي، بل لم تخطر على بال أولئك الزنادقة الذين زعموا أن للإسلام

باطنا غير ظاهره، فظاهره للعوام الجاهلين، وباطنه للخواص العارفين، وأرادوا

هدم سلطان الإسلام بالإسلام؛ لإعادة سلطان المجوسية الكسروية التي قضى عليها

المسلمون القضاء الأبدي، وإنما سبق الناعق بها اليوم ناعق آخر من متفرنجة هذه

البلاد ومن رجال القانون والقضاء الأهلي , قيل: إنه انضوى إلى دين البابية

البهائية آخر فرق الباطنية , نعق بها هذا الرجل في مجمع عقده لها في الإسكندرية

منذ بضع سنين بخطاب (محاضرة) ألقاه على كثير من رجال القانون , ثم طبعه

ووزعه بالمجان فرددنا عليه ردا أعجزه فلم يستطع أن يدافع عن نفسه ولا دافع عنه

أحد من أعداء الإسلام , لا من البهائية ولا من رجال قوانينهم الوضعية الذين

يريدون أن ينسخوا بها الشريعة الإسلامية.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣٨