فأي اللغتين أتقنوا، ورأوا الصفات الضرورية متوفرة فيها؟ آلتركية المستعملة
في تركستان التي تجهلها (الدولة الإسلامية الكبرى) التي هي إحدى علتي الاختيار أم
العثمانية التي هي عرضة للمحو والإثبات؟
(الثالث) : ماذا يريدون بالعلاقات التي بين جميع شعوب المسلمين من
مراكش إلى بكين؟ نحن لا نعرف أن بينهم علاقات مشتركة غير علاقة الدين،
والدين له لغة عامة مشتركة يعرفها علماؤه، وكثير من الطبقات الأخرى في كل
شعب من شعوبهم، وسيأتي الكلام فيها.
أما العلاقة السياسية فإنها تختص بالدول المستقلة منهم، وليس لأحد من
الخمسة والعشرين أصحاب الاقتراح دولة مستقلة إلا الأفغاني، والمصري الذي لما
يتم استقلال بلاده، والاتفاق على اللغة السياسية المشتركة بين الدول الإسلامية إنما
يتقرر بالمفاوضة فيما بينها لا بمؤتمر يعقد في أنقرة، فالعلاقة السياسية غير مرادة
للخمسة والعشرين.
وأما العلاقات الاقتصادية من تجارية وغيرها فهي غير موجودة إلا بين البلاد
المتجاورة كالبلاد الإفريقية بعضها مع بعض ومع سورية، والبلاد العربية مع البلاد
التركية والإيرانية، والهند مع هذه البلاد كلها، ومن البديهي أن استعمال اللغة
التركية في علاقة مصر بطرابلس الغرب وتونس أو بالحجاز وسورية أو علاقة
الهند بإيران وبلاد العرب ضرب من المحال، لا يقترحه إلا من أصيب بضرب من
الخبال، فانحصر الأمر في العلاقة الدينية وسيأتي الكلام فيها.
(الرابع) : هل بين لنا الخمسة والعشرون كيف يكون اختيار عضوين من
كل مملكة إسلامية لحضور هذا المؤتمر؟ هل يختار رئيس جمهورية الصين الوثني
مندوبي الصين وحاكم الهند الإنكليزي مندوبي الهند، ووالي الجزائر الفرنسي
مندوبي الجزائر، وملك مصر مندوبي مصر، وملك الحجاز مندوبي الحجاز؟ إلخ
أم تختارهم الشعوب؟ إذا كان الشق الأول غير مراد لتوقفه على رضا حكام الممالك
غير الإسلامية والدول المستعمرة للبلاد غير المستقلة على ذلك، وهو متعذر فالشق
الثاني أشد تعذرا؛ إذ لا يعقل كيف ينتخب ستون مليونا من مسلمي الصين
وخمسون مليونا من مسلمي الملاو من يمثلهم في مؤتمر كهذا، فيكون قرار المؤتمر
نافذا فيهم لوجود اثنين من بلادهم فيه، وإنما يمكن مثل هذا الاختيار في بلاد لها
جمعيات تمثل الجمهور الأكبر كالهند ومصر على ما بين جمعياتهما وأحزابهما من
الخلاف، وكون كبار علماء الدين بمصر لا ينتمون إلى حزب من أحزابها.
(الخامس) : إذا فرضنا إمكان انتخاب هذه الشعوب الإسلامية كلها لأعضاء
يمثلونها لتقرير لغة واحدة تتخاطب بها في العلاقة الدينية المشتركة بينهما، فهل
يقال لهؤلاء المندوبين أو لهذه الشعوب التي تختارها: إنه يجب أن يمضوا القرار
الذي اقترحه الخمسة والعشرون في جريدة طنين؟ أم يدعون للتشاور واختيار اللغة
المشتركة؟ إن أريد الشق الأول فلا حاجة إلى إرسال مندوبين، ولا إلى عقد مؤتمر،
بل يكفي تبليغ هذه الشعوب قرار الخمسة والعشرين، وأنه ليس عليها إلا الإذعان
والخضوع. وإن أريد الشق الثاني فما يدري هؤلاء الخمسة والعشرين ومن حملوهم
على هذا الاقتراح أن مندوبي مصر والحجاز ونجد واليمن وجاوه وفارس
ومراكش وغيرها يتفقون على تفضيل اللغة التركستانية أو العثمانية على لغة القرآن
وعلى لغاتهم الوطنية؟ وإذا لم يتفقوا فما فائدة هذا المؤتمر؟ ثم إذا أجمعوا أو اتفق
أكثرهم على اختيار اللغة العربية فهل يرضى الشعب التركي بذلك؟
(السادس) إذا غضضنا البصر عن كل ما ذكر، وفرضنا أن المؤتمر
اجتمع بمثل السهولة التي اجتمع بها الخمسة والعشرون ووافقهم على اقتراحهم فكيف
يكون تنفيذ قراره؟ أيفرض على البلاد العربية الممتدة من المحيط الأطلسي
(الأتلانتيك) إلى خليج فارس والمحيط الهندي وعلى شعوب الملاو في الجنوب
وشعوب الفرس والهند والأفغان والصين في الشرق أن يتعلموا اللغة العثمانية الملفقة