تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذين قالوا: إن الخمر المنهي عنها لذاتها لا تكون إلا من عصير العنب، فهي التي

تحرم منها النقطة الواحدة، وما عداها من المسكرات لا يحرم منه إلا القدر المسكر

أو الحسوة الأخيرة التي يحصل بها السكر، وأن لا نغلو فنحرم استعمال الأدوية

والأعطار والأدوية والأدهان والأصبغة والأطلية التي يدخل في صنعها أو

تحضيرها المادة التي علم من فن الكيمياء الحديث أنها توجد في تركيب الخمر،

وهي علة الإسكار فيها، وإن لم تكن هذه الأشياء أشربة تتخذ للسكر أو يتوسل بها

إليه، فإن هذا غلو لا يطالب دين الفطرة والحنيفية السمحة به أحدا، فهذا دين عام

للبدو والحضر، وقد ظهر في أمة كانت أمية فهو سهل لا تعقيد فيه، ولا عسر ولا

حرج. أوليس من الغلو والحرج والعسر وقلب الحقائق أن تحرم على أهله منافع

كثيرة في طيبهم وطبهم وجراحتهم وصيدلتهم وصناعاتهم وعمرانهم بحشرها كلها في

تحريم السكر وشرب الخمر وهي ليست منها مقصدا ولا وسيلة؟

(4) إن من استقرأ جميع ما في القرآن الحكيم من الآيات المنزلة في

الطهارة وجميع ما في دواوين السنة السنية من الأحاديث الواردة فيها - يجد خلاصتها

أن النظافة مشروعة في هذا الدين، وأن الله تعالى يحب المتطهرين من الأقذار

الحسية، كما يحب التوابين عن المعاصي وهي الأقذار المعنوية، وأن الطهارة

قسمان: إيجابية كالوضوء والغسل. وسلبية وهي التنزه عن التضمخ بالأقذار، وما

يترتب عليه من إزالة ما يطرأ منها على البدن والثوب والمكان، ويكره الغلو

والتنطع فيها كغيرها، ولا يوجد في هذه النصوص دليل قطعي على كونها شرطا

لصحة الصلاة وفاقا لمذهب الإمام مالك وأطال الشوكاني في تحقيق إثباته في نيل

الأوطار. والنجس الحسي في اللغة هو القذر الشديد القذارة الخبيث الرائحة وأشده

غائط الإنسان وبوله. ولم يرد في الكتاب ولا في السنة بيان لأنواع النجاسات والأمر

بغسلها بل تركها الشارع إلى عرف اللغة. وقد صح مع ذلك أنه صلى الله عليه

وسلم أمر بنضح بول الغلام بالماء. ولذلك قال بعضهم بعدم نجاسته شرعا مع العلم

بأنه نجس لغة، وغلط بعض الفقهاء في تعليل الأمر بنضحه بأنه رقيق أي ضعيف

القذارة، وهذا مخالف للحس؛ ولكن الحق أن الطهارة الشرعية لا يشترط فيها

زوال العين والأثر ألبتة. وقد شدد بعض الفقهاء كالشافعية في تطهير النجاسات

حتى جعلوها كتطهير الأطباء للمواد السامة وجراثيم الأمراض والأوبئة، وتساهل

بعضهم عملا بظواهر النصوص الواردة في نضح بول الغلام ودم الحيض والصلاة

في النعال والاكتفاء بدلكها بالأرض إذا رؤي عليها عين النجاسة، وإفتاء النبي

صلى الله عليه وسلم بعض النساء بأن الأرض الطاهرة تطهر الذيل الذي يجر على

النجاسة، كما شدد بعضهم في جعل التطهير محصورا بالماء، ويسر بعضهم فجعل

مدار التطهير على إزالة القذارة ولو بالصقل أو انقلاب العين، وهذا هو اللائق

بدين الفطرة وسيره، وليس في العمل به مخالفة لنص الشارع ولا للمراد من

الطهارة، وليس تطهير الأبدان والأشياء من الأقذار أمرا تعبديا؛ ولذلك لم يشترط

أحد في صحته وإجزائه النية ... وأما هذه الشدة والعسر والحرج الذي ذهب إليه

بعض المعاصرين كالأستاذ شفيق الرحمن في مسألتنا فهو قلب للحقائق؛ لأنه يجعل

الطيب قذرا، وأشد المطهرات إزالة للنجاسة نجسا، فإن الأعطار الذكية التي هي

من مستحضرات السبيرتو، قد عمت الأمصار والأقطار، ويستعملها أكثر المسلمين

كغيرهم في هذه الديار لرخص ثمنها ولأنها تستعمل للتطيب وللتطهير الحسي

كإزالة الأقذار والتطهير الطبي من جراثيم الأوبئة والأمراض، فبأي حجة تقلبون

حقائق اللغة التي جاء بها الدين، وتقلبون مقاصد الشرع الذي يحب للمؤمنين

الطهارة والطيب، ويكره لهم النجاسة والخبث، فتجعلون الأعطار الذكية المطهرة

من النجاسات التي أوجب الله تطهيرها؟ وهي ليست أشربة مسكرة ولا ذريعة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٤٤