غير الكفء، والعرب أكفاء بعضهم لبعض، فما اعتيد في بعض البلاد من المنع
دليل التكبر وطلب التعظيم، وقد يحصل بسبب ذلك فساد كبير كما ورد [5] ، بل
يجوز الإنكاح لغير الكفء، وقد تزوج زيد وهو من الموالي زينب أم المؤمنين [6]
وهي قرشية، والمسألة معروفة النقول عند أهل المذهب. انتهى [7] .
(فإن قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان له) : يلزم من تقريركم
وقطعكم في أن من قال: يا رسول الله أسألك الشفاعة- أنه مشرك مهدر الدم- أن
يقال بكفر غالب الأمة ولا سيما المتأخرين لتصريح علمائهم المعتبرين أن ذلك
مندوب وشنوا الغارة على من خالف في ذلك؟
(قلت) لا يلزم ذلك لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر، ومثل
ذلك لا يلزم أن نكون مجسمة، وإن قلنا بجهة العلو كما ورد الحديث بذلك، ونحن
نقول فيمن مات: ﴿تلك أمة قد خلت﴾ (البقرة: 134) ولا نكفر إلا من بلغته
دعوتنا للحق ووضحت له المحجة وقامت عليه الحجة وأصر مستكبرا معاندا كغالب
من نقاتلهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات،
ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات، وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته لمن هذه
حاله ورضاه به، ولتكثير مواد من ذكر والتغليب معه فله حينئذ حكمه في حل قتاله،
ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع
في ذلك ممنوع قطعيا، ومن شن الغارة فقد غلط، ولا بدع أن يغلط فقد غلط من هو
خير منه كمثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما نبهته المرأة رجع في مسألة
المهر وفي غير ذلك، يعرف ذلك في سيرته، بل غلط الصحابة وهم جمع ونبينا
صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم سار فيهم نوره فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما
لهم ذات أنواط.
(فإن قلت) : هذا فيمن ذهل فلما نبه انتبه فما القول فيمن حرر الأدلة،
واطلع على كلام الأئمة القدوة، واستمر مصرا على ذلك حتى مات؟
(قلت) : ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر ولا نقول: إنه كافر، ولا لما تقدم أنه
مخطئ، وإن استمر على خطأه؛ لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته بلسانه
وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على
زمن المؤلفين المذكورين التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا، ومن
اطلع عليه أعرض عنه قبل أن يتمكن في قلبه، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم
عن مطلق النظر في ذلك، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا
من شاء الله منهم.
هذا وقد رأى معاوية وأصحابه رضي الله عنهم منابذة أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب رضي الله عنه بل وقتاله ومناجزته الحرب، وهم في ذلك مخطئون
بالإجماع واستمروا في ذلك الخطأ حتى ماتوا ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير
أحد منهم إجماعا، بل ولا تفسيقه بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد، وإن كانوا مخطئين
كما ذلك مشهور عند أهل السنة.
ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه، وعلم ورعه
وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة
والتأليف فيها وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي فإنا
نعرف كلامه في (الدر المنظم) ولا ننكر سعة علمه ولهذا نعتني بكتبه كشرح
الأربعين والزواجر وغيرهما ونعتمد على نقله إذا نقل؛ لأنه من جملة علماء
المسلمين.
هذا ما نحن عليه مخاطبين به من له عقل أو علم وهو متصف بالإنصاف،
خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف، ينظر إلى ما يقال لا إلى من قال، وأما
من شأنه لزوم مألوفه وعادته سواء كان حقا أو غير حق فقلد من قال الله تعالى فيهم
﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ (الزخرف: 23) عادته
وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق، فلا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف
حتى يستقيم أوده، ويصح معوجه، وجنود التوحيد بحمد الله منصورة، وراياتهم
بالسعد والإقبال منشورة ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ (الشعراء: