قال الطبراني: إنه لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أنس. على أن الحديث
كما يتبادر من لفظه في النفل المطلق ولا خلاف في جوازه قبل الصلاة.
وظاهره منع تحية المسجد إذا كان الإمام قد خرج وهو معارض بحديث:
(إذا جاء أحدكم والإمام يخطب يوم الجمعة فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) رواه
أحمد ومسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله وفي رواية: (إذا جاء أحدكم والإمام
يخطب - أو قد خرج - فليصل ركعتين) وسببه ما رواه الجماعة عنه قال:
(دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال (صليت؟)
قال: لا. قال (فصل ركعتين) وهو مفصل في رواية أخرى، وقد حقق الجمهور أن
هاتين الركعتين هما ركعتا تحية المسجد، ولو كانت سنة قبلية للجمعة لأمر الناس كلهم
بها قبل الخطبة التي كان يبتدر المنبر بها عند الزوال.
وروى الجماعة كلهم (أحمد والشيخان وأصحاب السنن) عن ابن عمر أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. ولم يذكر قبلها
شيئا، وورد في معناه أحاديث أخرى، وروى الجماعة ما عدا البخاري من حديث
أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل
بعدها أربع ركعات) وفي رواية لمسلم: (من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل
أربعا) وهو لفظ أبي داود والترمذي، ولكن لم يصح أنه صلى الله عليه وسلم
صلى بعدها أربعا ولا قبلها شيئا.
(ومنها) ما استدلوا به من عموم ما ورد في الرواتب. قال الحافظ: وأقوى
ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة ما صححه ابن حبان من حديث عبد
الله بن الزبير مرفوعا (ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان) ومثله
حديث عبد الله بن مغفل (بين كل أذانين صلاة ... لمن شاء) ا. ه أقول: وقد
رواه الجماعة كلهم، والمراد بالأذانين الأذان والإقامة. والمانعون يقولون: إن هذا
العموم مخصوص بغير الجمعة؛ إذ ثبت - بل تواتر بالعمل الإجماعي - أنه ليس
بين آذانها وإقامتها إلا الخطبة- ولا يعارضه ما صح من صلاة ركعتي تحية المسجد
في وقت الخطبة - وهذا أقوى من تخصيص بعضهم له بغير صلاة المغرب؛ لما ورد
من أنهم لم يكونوا يصلون بين آذانها وإقامتها شيئا بل كانوا يشرعون في الصلاة في
أثناء الأذان، ولما ورد من حديث بريدة عند البزار من استثناء صلاة المغرب في مثل
حديث عبد الله بن مغفل مع أن هذا ضعيف، وما قبله معارض بما روي من صلاة
بعضهم لها في الصحيح.
السؤال الثاني:
أيصح القياس في تشريع الصلوات فنصلي سنة قبلية للجمعة قياسا على
الظهر أو نصلي قبلية للعيد قياسا على الجمعة؟
(ج) الأصل في القياس الصحيح أن يكون فيما لا نص فيه من كتاب ولا
سنة، وهو ما ورد النص على علته مع نفي الفارق فيما يشاركه في العلة،
والأصل في جميع الأحكام التعبدية أن تثبت بالنص، ولولا ذلك لم يثبت إكمال
الدين ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا أكمل المؤمنين دينا وعبادة،
وكل منهما قطعي. وهذا أساس مذهب الإمام مالك كما بينه الشاطبي في الاعتصام
(يراجع ص 123 من الجزء الثاني) وقد فصلنا هذه المسألة في المنار مرارا وفي
تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ (المائدة: 101) من جزء التفسير السابع، وفيه تفصيل لمسألة القياس الصحيح
والباطل. والتحقيق أنه لا يمكن إثبات عبادة عملية محضة مستقلة بالقياس المحض
لا نحو نية، وما كان من تحقيق المناط وما ثبت بفحوى الخطاب أو لحنه، ولا
يتسع هذا الجواب لبسط هذه المسألة، ولا هي من موضوعه، وقد غلط من جوز
إثبات سنة قبلية للجمعة بالقياس على الظهر، ويغني عن القول بأن كون الجمعة
بدلا من الظهر يقتضي أن يصلي قبلها وبعدها من الراتبة ما يصلي قبله وبعده،
وهذا ليس بقياس. وللمانعين أن يردوه بما دلت عليه النصوص في الجمعة، وليس