تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ابتدأ أولا بسورية فقال ما يأتي: إننا نعتقد أن سورية، هذه المقاطعة الصناعية

الزراعية التي يقطن فيها عدد وافر من السكان من طبقات ثابتة هي بلاد متقدمة

تقدما كافيا من الوجهة السياسية، يمكنها معه أن تقوم بأعباء أمورها الداخلية، ونرى

أيضا أن الاستشارة والمعاونة الأجنبية ستكون عاملا يمينا جدا لنمونا القومي ونحن

مستعدون لصرف ما يلزم من النقود في مقابل هذه المعاونة ولا يسعنا أن نضحي في

مقابلها أي جزء كان من الحرية التي أحرزناها قبلا بأنفسنا وبقوة سلاحنا اه.

وعلى ذلك فإن سورية بناء على مذكرة الأمير فيصل ستمنح استقلالا ذاتيا بما

يتعلق بأمورها الداخلية ويدمج في خدمتها إخصائيون من الأجانب بدون أن يسمح

لأية دولة أجنبية أن يكون لها أقل نفوذ في البلاد، فمن يا ترى يقوم بأعباء علائق

سورية الخارجية؟ الجواب على ذلك أن الظواهر تدل بأن ملك الحجاز يقوم بهذه

المهمة وناهيك بما جاء في المذكرة من عبارة (نمونا القومي) وعبارة (الحرية

التي أحرزناها بأنفسنا) كأن الحجاز وسورية لا تكونان في نظر العالم سوى دولة

وحكومة واحدة.

ثم انتقلت المذكرة من سورية إلى العراق والجزيرة، يعني إلى جزئي مقاطعة

بين النهرين، وهنا أقرت النيابة الحجازية برنامجا مخالفا تمام المخالفة للأول، نعم

إنها قد طلبت أن تكون الحكومة عربية (بالمبدأ أو الروح) إلا أنها لم ترفض

تدخل دولة أجنبية، فقد جاء في المذكرة: (إن العالم يرغب في سرعة استثمار ما

بين النهرين، ولذلك نرى أن شكل الحكومة في هذه البلاد لا بد أن يكون مستندا

إلى الرجال والموارد المادية التي تقدمها دولة أجنبية عظمى) اه. إن في هذا

تنازلا لبريطانيا العظمى التي حفظت لنفسها السهر على ما بين النهرين في الوقت

الذي كانت تعترف فيه لفرنسا بحق السهر على سورية.

ثم جاء بعد ذلك ذكر المقاطعات الثلاث الواقعة في نفس شبه جزيرة العرب

وهي الحجاز واليمن الواقعتين على ساحل البحر الأحمر ونجد التي هي المنطقة

الداخلية، فلم يسلم الأمير فيصل بمذكرته فتح باب المناقشة في مصير هذه البلاد،

وبين بعد ذلك أن الحجاز ستبقى محكومة طبق الطرق العرفية وقال: إننا نقدر هذه

الطرق تقديرا يفوق تقدير أوروبة لها، ولذلك نطلب المحافظة على استقلالنا التام،

وأما اليمن ونجد فالأرجح أنهما لا تعرضان مسألتهما على مؤتمر الصلح، وهما

سيتناقشان في مسائلهما بعضهما مع بعض ويقومان بترتيب علائقهما مع الحجاز

وغيره.

إن هذه اللهجة ترجعنا سنة إلى الوراء؛ إذ يخيل لسامعها أنه يسمع (الهر

كولمن) يتكلم عن مصير كورلندة الروسية.

بقيت مقاطعة فلسطين فقد قالت عنها المذكرة الحجازية: إن الأكثرية العظمى

من أهالي هذه البلاد عربية، وإن العرب متفقون مبدئيا اتفاقا تاما مع اليهود (غير

أن العرب لا يسعهم أن يخاطروا وأن يأخذوا على أنفسهم مسئولية الاحتفاظ بالتوازن

في خليط العناصر والأديان الذي كان على الدوام في هذه المقاطعة الوحيدة يدفع

العالم للمشاكل، إن العرب يتمنون أن يعطى مركز ممتاز في هذه المقاطعة لموكل

عظيم في الوقت الذي تمنح البلاد فيه حكومة محلية نيابية تقوم بإنماء عمران البلاد

من الوجهة المحلية) اه.

البرنامج الحجازي يقضي بتعرض دولة عظمى في كل من فلسطين وما بين

النهرين، وليس هناك حاجة لبيان أن في هذا تنازلا للمصالح الإنكليزية.

إن هذه المطابقة لا تبرهن - كما كان قد صرح كاتب أسرار مندوبي

الحجاز - على أن ملك الحجاز غير مرتبط بأي نوع من الوثائق الخصوصية مع

أية دولة.

وقد اختتم الأمير فيصل مذكرته بقوله: (إنني بتشديد الإشارة إلى الفروق

الموجودة في حالة بلادنا الاجتماعية لا أود أن أقول بأن هناك اختلافا حقيقيا في

المرامي والمصالح المادية والمعتقدات أو الأخلاق على وجه يجعل ارتباطنا متعذرا،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٥١