تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سنة معزوة إلى الأستاذ الإمام، ثم نشرتها جريدة المؤيد نقلا عن المنار، ثم

نشرناها في الجزء الثاني من تاريخ الأستاذ الإمام الحاوي لأشهر منشآته من مقالات

ومكتوبات. ثم طبعت أعداد العروة الوثقى برمتها في بيروت ونسخها تباع في

مصر، وبلغنا أن بعض الشبان يحفظونها عن ظهر قلب، ولا غرو فالمقالات

الاجتماعية في العروة الوثقى من المحفوظات التي يستعان بها على طبع ملكات

الإنشاء العالي في النفس، كما أنها من أفضل ما يوقظ الأفكار، ويبعث فيها روح

العظة والاعتبار، وينبهها لما يساور هذه الأمة من الغوائل والأخطار، مع بيان

عللها وأسبابها، وطرق معالجتها والتفصي منها، وقد كان تنحل الشيخ بخيت لهذه

المقالة منها على ما ذكرنا من شهرتها، أغرب ما ينتقد عليه ويسدد سهام اللوم

والتثريب إليه.

نشرت المقالة في الأهرام، فلم تلبث أن كانت الشغل الشاغل للألسنة والأقلام،

وانبرت الجرائد اليومية لمؤاخذة الشيخ على هذه السرقة المفضوحة، وطفقت

الجرائد الهزلية تخترع النكت المضحكة المبكية في غميزته والزراية عليه، وقد

كان مما قرن به هذا الانتحال من الخذلان أن الشيخ بخيتا حرف في المقالة بعض

الجمل وغير، وقدم وأخر، وكان محمد بك أبو شادي المحامي الشهير أشد من

انتقده؛ إذ كتب في جريدة وادي النيل الشهيرة مقالا تهكميا في جعل موافقة ما نشره

اليوم لما نشر بقلم الأستاذ الإمام منذ أربعين سنة من باب توارد الخواطر، وقد

أودعه المقالة بحروفها مع التنبيه إلى ما حرف الشيخ بخيت منها بجعل المحرف

مقابلا للأصل في جدولين متوازيين، ونشر محروس أفندي عبده أخو الأستاذ الإمام

لأبيه المقالة في جريدة الأمة مقرونة بما يقتضيه المقام من الاستغراب والنقد. وقد

حدثنا بعض العلماء الثقات أن بعض الناس في دمنهور طفق يقرأ المقالة عند

وصولها إليه في اليوم الذي نشرتها فيه جريدة الأهرام، فقال له أحد السامعين: على

رسلك وألق السمع إلي لأتم لك قراءة ما شرعت فيه فإنني أحفظه، وأتم قراءة المقالة

من حفظه فلم يكن بينه وبين ما في الأهرام إلا تلك الجمل القليلة التي شوه حسنها

التحريف.

ولو أن الشيخ بخيتا نشر هذه المقالة مع مقدمة بين فيها ما أشرنا إليه آنفا من

كونها أفضل ما يرد به على اتهام المصريين بالتعصب الديني الضار بحمله على

إيذاء المخالف في الدين لأنه مخالف، وعزاها إلى صاحبها أو إلى العروة الوثقى

إذا كان يثقل على طبعه التنويه بفضل الأستاذ الإمام باسمه - لكان خيرا له

وللمصلحة العامة، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فهو أن علم الناس بصاحب

المقالة ذي المكانة العالية المعروفة التي يتضاعف ارتفاعها في الأنفس عاما بعد عام

يزيدهم رغبة في قراءتها وتأملها والانتفاع بها، ولا شك في أن قراءة الناس للمقالة

قد زاد بعد أن نشر في الجرائد ما نشر من إنكار انتحالها على الشيخ بخيت وعزوها

إلى الأستاذ الإمام، وقد قلت لأستاذ شهير من أهل العلم والأدب زارني في اليوم

التالي لليوم الذي نشرت فيه المقالة: هل قرأت المقالة التي نشرتها جريدة الأهرام

أمس للشيخ بخيت؟ قال: رأيتها، وقرأت أسطرا من أولها ولم أتمها، ولم أضيع

وقتي في قراءة ما يكتب الشيخ بخيت في التعصب والبحث في تعريفه بمثل ما

يبحثون في الأزهر بتعريفات الفنون. وقد كان مما حرف من المقالة بيان معنى

التعصب لغة وعرفا، فقدمه الشيخ عن موضعه فجعله في أول المقالة محرفا، قلت:

إن هذه المقالة هي مقالة العروة الوثقى الشهيرة التي تعرفها، وذكرت له تصرف

الشيخ فيها فقال: إذا أعود فأقرأها.

إلا أن فعلة الشيخ بخيت هذه من الغرابة بمكان، وإن كان أكثر ما يكتب

أمثاله ليس إلا نقلا لما كتب من قبلهم، وأغرب ما حدثنا به غير واحد من الثقات

عنه أنه قال أن المقالة له، وأنه كان هو والمرحوم الشيخ أحمد أبو خطوة يكتبان

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٤٤