التي نشرناها في المؤيد والجريدة، ومن أشهر هذه المقالات ما عنوانه (إلى أي
شيء أنت يا مصر أحوج؟ !) .
وجملة القول أن مكانة الزعيم الذي يمثل وحدة الأمة في أول العهد بتكونها
السياسي ودخولها في ميدان الجهاد القومي للحرية والاستقلال - لها شأن عظيم في
جهادها، فيجب أن يحرص على تقويتها لئلا يتصدع بناء الوحدة في أشد أوقات
الحاجة إليه، ولا يخفى على أهل البصيرة أن تقويم عوج في الزعيم الموثوق به من
السواد الأعظم أيسر من إسقاطه واستبدال غيره به، وإن تأييد الوحدة به على
ضعف وعوج فيه خير من شق عصاها بخذله والتفرق عنه.
فإن استطاع خصوم سعد إسقاطه من مكانته بإقناع الأمة بعدم كفاءته، فمن ذا
الذي يستطيع إقناعها بكفاءة زعيم آخر من بعده، إذا فرضنا أنه يوجد فيها كثيرون
من مثله.
ومثل كثير في الأنام قليل
ومن ذا الذي يستطيع في كل وقت أن يحدث لها أحداثا كالأحداث التي مهدت
السبيل لزعامة سعد؟ كغفلة رقباء الشعوب وحراسها، ورعاة الأمم وسواسها، وقطاع
طرق الاستقلال والحرية عليها، تلك الغفلة التي أوقعت إنكلترة فيها سكرة الحرب أولا
ونشوة الظفر آخرا، فكان من أثر السكرتين في رجالها بمصر ما وقعوا فيه من
الأغلاط الإيجابية والسلبية التي جمعت كلمة الشعب مع حكومته أول مرة في تاريخ
الاحتلال، وقد أشرنا في هذا المقال إلى ما كان من فائدة ذلك في تكوين الوحدة
المصرية وجمع الكلمة على سعد في وزارة رشدي، وقد تم ذلك وكمل في وزارة عدلي
التي هي وزارة رشدي بعينها في وقت آخر وترتيب آخر، إذ لولا هذه الوزارة لما
أمكن للشعب أن يحتفل بعودة سعد إلى البلاد، تلك الاحتفالات العامة التي لم يسبق لها
نظير، ولكن واأسفاه! قد صدق في هذا المقام قول الشاعر:
إذا تم شيء بدا نقصه
على أن هذا التمام وما تلاه من النقص إنما كانا في طور واحد من أطوار حياة
الشعب الاجتماعية، وفي فصل من فصول تاريخه، فعسى بأن يفيده عبرة تقيه أن
يلدغ من جحر مرتين، وخبرة تجعل بالفوز منه قاب قوسين.
جهاد سعد الأخير
(17) علم سعد باشا بما كان من التجربة الأخيرة والاختبار، أن الأمة التي
اجتمعت كلمتها على طلب الحرية والاستقلال وجعلته لسانها الناطق وقلبها الخافق -
لم يمكنها إعلان رأيها وإظهار شعورها إلا بمواتاة الحكومة الوطنية لها، وأن
تأثير الحكام في أنفس هذا الشعب وما ورثه وتربى عليه من الخضوع لهم منذ
التاريخ القديم، لا يزول كله في أول نهضة قومية جديدة، وإن وافقت أصول شرعها
الإلهي ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (الشورى: 38) وأصول الحقوق العصرية التي
يسمونها الديمقراطية الحديثة، ولعله لم يقدر هذا قدره كما ينبغي إلا بعد الحوادث
الأخيرة، إذ لم يكن يخطر ببال أحد أن يصد عنه نفوذ الوزارة الألوف الكثيرة،
حتى من أولئك الذين أقاموا له أكبر المحافل وآنق المآدب، وأن يشايعهم على ذلك
أكثر الجرائد، فلهذا وجه كل عنايته إلى تقوية روح شخصية الأمة والفكرة
الديمقراطية فيها بحملاته الشديدة على الوزارة العدلية في خطبه البليغة، وبلاغته
واحتجاجاته المختلفة على سلوكها فيما سماه (اغتصاب الثقة من الأمة) .
فهو يمثل للأمة وزارة عدلي باشا متفقة مع الدولة البريطانية على جعل
سلطانها (أي حكمها وسلطتها) على مصر شرعيا يعقد معاهدة على أصول مشروع
ملنر الذي رفضه هو ألبتة يلغي فيها لفظ الحماية ويقرر معناه بصفة شرعية، بعد
أن كان عدوانا تبطله الحقوق الأساسية والقوانين الدولية، وترشى فيها البلاد
بضرب من الاستقلال في الإدارة يتعذر تنفيذه لما وضع في سبيله من العواثير
والعقبات الكأداء، على أنه عرضة للإلغاء أو الاسترداد، ما دامت قوة الاحتلال
العسكرية راسخة الأقدام في البلاد، وناهيك بما أنشأوا فيها من ميادين الطيران
الحربية والتجارية، لجعلها ملتقى جميع قوى الإمبراطورية البريطانية.