تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو كبير بيت يكن الذي هو أكبر بيوتات السلائل التركية في مصر، بل هو البيت

الأول بعد بيت الإمارة ممن تولوا الأحكام والمناصب العالية، وهو كبير في نفسه،

كما أنه كبير في بيته، حريص على حفظ شرفه، فهو بهذه الصفات جدير بمنصب

السفارة والوزارة وبرئاسة الوزارة، وقد أوتي من العلم العصري ما يحتاج إليه

المنصب، وقلما يوجد بمصر من يقسر كبراء الإفرنج - حتى الإنكليز منهم -على

احترامه مثله، بل هو قوي الشبه بكبراء الإنكليز في ترفعه وآدابه وشمائله.

ولكنه لم يؤت من طلاقة اللسان في الخطابة، ومن بلاغة القول في الكتابة،

ومن الإقدام على مكافحة الخطوب ومصارعة الأخطار ما يؤهله لزعامة الأمة أو

التأثير فيها والسير بها في سبل الارتقاء الاجتماعي، ولا لقيادتها في ميادين الجهاد

السياسي، بل هو غير مستعد للتصدي لإحداث أدنى تأثير في الأمة بنفسه، ولعله

لولا المناصب العالية التي تولاها، كإدارة الأوقاف العامة ومحافظة العاصمة

والوزارة لما كان يعرفه إلا القليل من طبقات الأمة الوسطى دع الدنيا، وهو لا

يعرفهم بالأولى.

سعد باشا زغلول، هو رجل من بيت وسط من مديرية الغربية عربي السلالة،

كما أخبرني صديقي المرحوم عبد الرحمن زغلول ابن أخي سعد باشا، طلب في

حداثته العلم في الأزهر، وكان من حسن الحظ أن اتصل في أثناء ذلك بالأستاذ

الإمام، وتلقى عنه وعاش معه زمنا وتخرج به، فهو أستاذه الأول ومربيه على ما

خلق مستعدا له من الاستقلال في الرأي والفهم وقوة الإرادة والشجاعة وصناعة

الحجة وحب الحق. وأدرك أيام موقظ الشرق ومصلح مصر السيد جمال الدين

الأفغاني وحضر بعض أنديته وسماره، ولما تولى الأستاذ الإمام إدارة المطبوعات

ورياسة تحرير الجريدة الرسمية (الوقائع المصرية) جعله محررا في القسم الأدبي

الإصلاحي الذي زاده فيها، فتمرن على الكتابة في المسائل الاجتماعية والسياسية

والأدبية والاقتصادية، واطلع على جميع شؤون الحكومة، فإن إدارة المطبوعات

كانت في ذلك العهد مسيطرة على الجرائد وسائر المطبوعات ومراقبة على الحكومة

تنتقد جميع أعمالها في جميع فروعها، وفي أثناء ذلك حدثت الثورة العرابية، فهو

قد نشأ وترعرع وشب في حجر العلم والسياسة والانقلاب الفكري والاجتماعي

والسياسي.

ثم اشتغل بالمحاماة والتزم فيها جانب الحق، فكان لا يقبل الوكالة في دعوى

يرى أن صاحبها مبطل، فبرع في الخطابة وإقامة الحجة والاطلاع على القوانين،

والخبرة بشؤون الناس وأخلاقهم ومعايشهم وحيلها، ثم صار قاضيا في أعلى

مناصب القضاء الأهلي، فاشتهر بدقته في التحقيق، واستقلاله في الرأي، وعدله

في الأحكام، حتى شهد له مستشارو الاستئناف من الأجانب والوطنيين كتابة بأنه

رقى المحاماة وشرف القضاء بعدله واستقلاله، وهي شهادة لم ينلها - فيما نعلم -

أحد من صنفه، ثم صار وزيرا للمعارف ثم وزيرا للحقانية، ثم وكيلا منتخبا

للجمعية التشريعية.

وكان في كل منصب من هذه المناصب الكفؤ الكريم الممتاز بين أهله فيه،

ولا نعرف أحدا في وطنه يشاركه في هذه المجموعة من المزايا، بل قل أن يوجد

له ند يضارعه في فرد من أفرادها، فهو بها أجدر أفراد هذه الأمة بزعامتها

الاجتماعية والسياسية إلا أنه ينقصه من صفات الزعماء السياسيين - كما يقولون -

ما يسمونه المرونة السياسية، وهي تشمل سعة الصدر والحلم والمداراة والتمويه

والخداع، وإن شئت قلت: والبراعة في الإفك والكذب الذي يحتمل التأويلات الكثيرة

والتملق، والبراعة في الاستمالة، والتزلف عند الحاجة. وهو لغلبة ملكة القضاء

على ملكاته لا يستطيع كل ذلك ولو تكلفا، فهو لا يبالي بمن خالفه فيما يعتقد ولا

يحفل بعداوته له مهما يكن عظيما، وقد كان الأستاذ الإمام يقول: إن سعدا خلق

ليكون قاضيا، ووصف سيرته في القضاء واستقصاءه فيه للدلائل ودقته في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٣٣