إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم
[النمل: 23]. العرش، إذن، رمز السيطرة، وفي حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد أن الذي يأخذ الملك من واحد قبله يبدأ في تطهير الجيوب المحيطة به ويبحث عن الأنصار ليعيد ترتيب الملك بما يراه مناسبا له حتى تستقر له الأمور، ثم يجلس بعد ذلك على العرش. إذن: فالجلوس على العرش معناه استتباب الأمر استتبابا نهائيا للمالك الأعلى. وسبحانه يقول:
الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم...
[غافر: 7]. وساعة تسمع كلمة " العرش " خذها على أنها رمز لاستتباب الأمر لله، وأن كل شيء دخل في حيز قدرته، وفي حيز ﴿ كن ﴾ ، كما يستقر الأمر للملك المحس، فلا يجلس على العرش، ولا يهدأ، إلا إذا استقرت الأمور. هذا ما نراه في الأمور الدنيوية، فما بالنا باستقرار كل الكون من الأزل لله سبحانه وتعالى؟ يقول الحق سبحانه:
إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش...
[الأعراف: 54]. أي: أن الأمور قد استتبت له. وهكذا نجد أن كلمة " العرش " وردت في عروش الدنيا، وفي عرش الله سبحانه، فعروش الدنيا ترمز إلى استتباب الأمر لمن يجلس عليها، والعرش بالنسبة لله رمز للاستتباب أمر الكون كله له سبحانه لا ينغص عليه شيء ولا يخرج من ملكه شيء. والكون كله، بكل ما فيه مستتب لكلمة " كن " ومخلوق بها وخاضع لسلطان الحق سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق: ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ ولا يوصف العرش بأنه عظيم إلا وفي أذهان الناس عروش الملوك التي نراها في حياتنا، مثلما قال الهدهد عن ملكة سبأ:
ولها عرش عظيم
[النمل: 23]. أي: بمقاييس البشر. أما قوله تعالى هنا: ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ [التوبة: 129]. فهو بمقاييس رب البشر، إنه عرش الخالق العظيم سبحانه وهو فوق التصور البشري لذلك نفهمه في إطار
ليس كمثله شيء...
[الشورى: 11].