تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى

[العلق: 6-7]. لذلك نجد الحق يبين دائما أن كل الأسباب بيده، فنرى من يحرث ويبذر ويروي ويرعى، ثم يقترب الزرع من النضج، وبعد ذلك تأتي موجة حارة تميته، أو ينزل سيل يجرفه. إذن: خذ بالأسباب واجعل المسبب دائما في بالك، وهنا يصح توكلك على الله. وكثير من الناس يخطئ في فهم كلمة " التوكل " ، وأقول: إن التوكل يعني أن تأخذ، أولا، أسباب الله التي خلقها سبحانه في كونه، فإن عزت الأسباب ولم تصل إلى نتيجة فاتجه إلى الله، مصداقا لقوله: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾. ونحن ندعو أحيانا عن غير اضطرار ونهمل الأسباب، والمثال تجده في حياتنا حين يقول الابن لأمه: " ادعي لي حتى أنجح " وتجيب الأم الأمية قائلة كلمة بسيطة هي: " ساعد الدعاء بقليل من المذاكرة " ، وهي بذلك تدل ابنها على ضرورة الأخذ بالأسباب. إذن: فمعنى التوكل، أن تستنفد الأسباب التي مدتها يد الله إليك. فإذا استنفدتها إياك أن تيأس لأن لك ربا، وهو سبحانه ركن شديد ترجع إليه. ومثال آخر: إذا كنت سائرا في الشارع ومعك جنيه واحد مثلا ثم وقع منك أو سرق، ولا تملك في البيت أو في البنك مليما واحدا، هنا تغضب وتحزن، أما إن كان في البيت عشرة جنيهات فنسبة الغضب والحزن ستكون قليلة، وإذا كان في البيت عشرة جنيهات وفي البنك مائة جنيه فلن تحزن أو تغضب لضياع الجنيه الواحد.

وهكذا تثق بالمثل عوضا عن المثل، أفلا تثق بواهب هذا المثل عن عوض المثل؟ إذن: فالتوكل هو أن تعمل الجوارح وتتوكل القلوب. والكسالى هم من يريدون أن يكون التوكل للجوارح وليس القلوب. وكان من الممكن أن يغير الحق الأسلوب في الآية فيقول: توكلت عليه. بدلا من ﴿ عليه توكلت ﴾ ولكن إن وفقت الفهم عن قوله الحق، ستجد أن الإنسان إن قال: " أنا اعتمدت عليك " فقد تعطف قائلا: " وعلى فلان وعلى فلان ". لكن قولك: عليك توكلت لا يمكن أن تعطف من بعدها، وفيها تنزيه لله ولا أحد غيره يتوكل عليه الخلق، مثلما تقول في الفاتحة: ﴿ إياك نعبد ﴾ أي: لا نعبد غيرك، فتكون قد قصرت العبادة عليه سبحانه. وتوكلك على الله له رصيد لأن ربك ورب الكون الذي استقبلك، ولا تصل قدرتك إليه، فأنت في الأرض تحرثها، وتبذرها، وترويها، ثم تأخذ من عطاء الله لك فهو ربك، ورب الكون الذي استقبلك، وأصبح هذا الكون مسخرا لك، وأنت لم تكن قادرا على تسخير الكون. صحيح أنك قد تسخر الدابة وتربطها وتمتطيها وتحمل عليها السماد مثلا وكل ذلك مسخر لك وفي قدرتك، وهذا من فضل الله عليك. ويزيد فضله سبحانه، وترى مخلوقات مسخرة لك، وليست في قدرتك فالشمس مسخرة لك تشرق كل يوم بالدفء وبالحرارة، وكذلك القمر، والغمام، وكل هذه مخلوقات ليس في قدرتك السيطرة عليها، بل سخرها الله لخدمتك. وربك رب الكون الذي استقبلك سخر لك ما ليس في يدك، وهو سبحانه رب الملكوت الذي يدير كل ذلك وأنت لا تراه، وهو الذي يدير كل هذه الأشياء. فلا تنظر إلى ظواهر العطاء فقط، بل انظر إلى مسببات العطاء في ظواهر العطاء، ولا تلتفت إلى ظاهرة إلا لتعرف ما وراء هذه الظاهرة. وما وراء أي ظاهرة كثير. ويقول الحق سبحانه: ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ نعم، هو رب الكون الذي استقبلك وسخر لك ما في يدك وما ليس في يدك، وما وراء المرئيات من عالم الملكوت ليدير بكمال قدرته كل شيء، وكل ما في الكون ملك لله. وله سبحانه العرش العظيم، فما هو العرش؟ نعرف لأول وهلة أن العرش هو السقف، فحين تبني دورا واحدا تصنع له السقف ليحميك من وهج الشمس والمطر، وإن كانت الأرض رخوة فالمباني تهبط، وبنينا السقوف حتى تحمي الجدران من عوامل التعرية. وقول الله سبحانه: ﴿ العرش العظيم ﴾ معناها: استواء الأمر استواء يدخل فيه كل مقدور ولذلك عبر سبحانه عن الملك مثلا في ملكة سبأ على لسان الهدهد فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٥٧