تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عفا الله عنك لم أذنت لهم...

[التوبة: 43]. ثم جاء هنا في الآية بالمهاجرين والأنصار معطوفين على رسول الله، وذلك حتى لا يتحرج واحد من المهاجرين أو الأنصار من أن الله تاب عليه، بل التوبة تشمله وتشمل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه فلا تحرج. وهذه المسائل التي حدثت كان لها مبررات، فقد قال الحق: ﴿ من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ﴾ ويزيغ: يميل، أي: يترك ميدان المعركة كله لأنها كانت معركة في ساعة العسرة، ومعنى العسرة الضيق الشديد، فالمسافة طويلة، والجنود الذين سيواجهونهم هم جنود الروم، والجو حار، وليس عندهم رواحل كافية، فكل عشرة كان معهم بعير واحد، يركبه واحد منهم ساعة ثم ينزل ليركبه الثاني، ثم الثالث، وهكذا، ولم يجدوا من الطعام إلا التمر الذي توالد فيه الدود. وقد بلغ من العسرة أن الواحد منهم كان يمسك التمرة فيمصها بفيه يستحلبها قليلا، ثم يخرجها من فيه ليعطيها إلى غيره ليستحلبها قليلا، وهكذا إلى أن تصير على النواة، وكان الشعير قد أصابه السوس، وبلغ منه السوس أن تعفن، وقال من شهد المعركة: " حتى إن الواحد منا كان إذا أخذ حفنة من شعير ليأكلها يمسك أنفه حتى لا يتأذى من رائحة الشعير ". كل هذه الصعاب جعلت من بعض الصحابة من يرغب في العودة. ولا يستكمل الطريق إلى الغزوة. إذن: فالتوبة كانت عن اقتراب زيغ قلوب فريق منهم. وجاء الحق بتقدير ظرف العسرة، ولذلك تنبأ بالخواطر التي كانت في نواياهم ومنهم أيضا من هم ألا يذهب، ثم حدثته نفسه بأنه يذهب مثل أبي خيثمة الذي بقي من بعد أن رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزوة ومرت عشرة أيام، ودخل الرجل بستانه فوجد العريشين، وعند كل عريش زوجة له حسناء، وقد طهت كل منهما طعاما، وهكذا رأى أبو خيثمة الظلال الباردة، والثمر المدلى، فمسته نفحة من صفاء النفس فقال: " رسول الله في الفيح - أي الحرارة الشديدة جدا - والريح، والقر والبرد، وأنا هنا في ظل بارد، وطعام مطهو، وامرأتين حسناوين، وعريش وثير، والله ما ذلك بالنصفة لك يا رسول الله، وأخذ زمام راحلته وركبها فكلمته المرأتان، فلم يلتفت لواحدة منهما وذهب ليلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال صحابة رسول الله: يا رسول الله إنا نرى شبح رجل مقبل. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " كن أبا خيثمة " ، ووجده أبا خيثمة، هذا معنى الحق: ﴿ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم ﴾ [التوبة: 117]. وفي واقعة الصحابة الذين راودتهم أنفسهم أن يرجعوا وتاب الله أيضا على آخرين اعترفوا بذنوبهم، فتاب الحق عليهم حين قال:

وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم

[التوبة: 102]. وأرجأ الحق أمر آخرين نزل فيهم قوله:

وآخرون مرجون لأمر الله...

[التوبة: 106]. وما دام الله قد قال: ﴿ مرجون لأمر الله ﴾ أي: ما بت الله سبحانه في أمرهم بشيء فلا بد من الانتظار إلى أن يأتي أمر الله، ويجب ألا نتعرض لهم حتى يأتي قول الله. وتاب أيضا على الثلاثة الذين خلفوا، في قوله سبحانه: ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٣٤