واتبعت ملة آبآئي...
[يوسف: 38]. و " أبائي " جمع أب. وعندما أراد أن يذكر الأعلام من آبائه قال:
إبراهيم وإسحاق ويعقوب...
[يوسف: 38]. ويعقوب هو أبو يوسف، وإسحاق أبو يعقوب، وإبراهيم أبو إسحاق، إذن: فإبراهيم أب، وإسحاق أب، ويعقوب أب. وهكذا نرى أن كلمة " الأب " تطلق على الجد، وآباء الجد إلى آدم. وإذا نظرت في سورة البقرة تجد قول الحق سبحانه:
أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق...
[البقرة: 133]. ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، وهكذا يكون إبراهيم أبا، وإسماعيل أبا، وإسحاق أبا، ولكن إسماعيل أخ لإسحاق، إذن فقد أطلق الأب هنا وأريد به العم، وهكذا ترى أنه إذا ألحق بكلمة " أب " اسم معين هو المقصود بها، فالمعنى ينصرف إما إلى الجد وإما إلى العم، وإن جاءت من غير تحديد الاسم، فهي تنصرف إلى الأب المباشر فقط. والحق يقول في شأن إبراهيم مع أبيه:
وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر...
[الأنعام: 74]. لقد ذكر الحق هنا اسم الأب وحدده ب " آزر " ولو أنه أبوه حقيقة لما قال آزر، مثلما يأتيك إنسان ليسأل: أين أبوك؟ هنا نفهم أن السؤال ينصرف إلى الأب المباشر، لكن إذا قال: هل أبوك محمد هنا؟ فهذا التحديد قد ينصرف إلى العم. إذن: قول الله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ﴾ يبين لنا أن آزر ليس هو الصلب الذي انحدر منه رسول الله، ولكنه عمه، وبذلك نحل الإشكال واللغز الذي حير الكثيرين. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ﴾ [التوبة: 114].
و " الحليم " هو خلق يجعل صاحبه صبورا على الأذى صفوحا عن الذنب. وقد شغل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخوانهم المؤمنين، الذين ماتوا قبل أن تكتمل عندهم أحكام الإسلام لأن منهج الإسلام نزل في " ثلاثة وعشرين عاما ". وليس من المفروض فيمن آمن أن يأتي بكل أحكام الإسلام عند بداية إيمانه، بل قد يكون قد آمن فقط بالشهادة، فاعتبر مسلما، ومثال هذا مخيريق اليهودي الذي لم يصل ركعة واحدة في الإسلام لأن الحرب قامت بعد إسلامه مباشرة، وقال: مالي كله لمحمد وسأذهب لأحارب معه، وحارب فقتل، وهكذا صار شهيدا. لأنه لم يمكث زمنا ينفذ فيه ما جاء به الإسلام قبل ذلك. ومن باب أولى أن الذي مات قبل أن تتم أحكام الإسلام يعتبر مسلما، والذي مات مثلا قبل أن تحرم الخمر تحريما نهائيا، أيقال: إنه عاص أو كافر؟ لا، إنه مسلم، والذي مات قبل أن يعلم أن القبلة قد حولت من بيت المقدس إلى الكعبة يعتبر مسلما وشاء الحق أن يبين للمسلمين ألا يحزنوا على هؤلاء، فنزل الوحي:
وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم
[التوبة: 115]. وهذا يوضح ما نعرفه في عرف التقنين البشري أنه لا جريمة إلا بنص، ولا عقوبة إلا بتشريع، فنحن لا نعاقب إلا بعد تحديد الفعل الذي يعاقب عليه، وأن يكون النص المحدد للجريمة والعقوبة سابقا على الفعل. إذن: لا عقوبة بتجريم، ولا تجريم إلا بنص. والذي لم يبلغه النص لأنه مات قبل أن يوجد النص لا نأخذه بالعقاب لأنه لا رجعية في القانون السماوي، إنما الرجعية فقط عند البشر ولذلك نجد الحق يقول في كثير من الآيات:
إلا ما قد سلف...
[النساء: 22]. إذن: فلا تحزنوا على من مات من إخوانكم قبل أن يستكمل الإسلام كل أحكامه. فإسلامهم هو ما بلغهم من هذه الأحكام فإن أدوها استووا بالذي يؤديها بعد أن تتم أركان الإسلام كلها لذلك جاء قوله الحق: ﴿ وما كان الله ليضل... ﴾.