تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبذلك فضح المنافقون، فأسروها في نفوسهم. وأنت إذا رأيت من عدوك فعلا تكرهه، فعليك أولا أن تفسد عليه الفعل، هذه أول مرحلة، فإذا تكرر الفعل منه، ولم يرتدع، لا بد أن تضعه في مكانه اللائق به. والمنافقون أرادوا بهذا المسجد الضرر والإضرار بالإسلام، وكان يجب أن يكفوا عن مثل هذا العمل ما دام الحق قد كشفهم. لكنهم لم يكفوا، وظلوا سادرين في العداوة للإسلام لذلك كان لا بد كما تخلصت أولا من الفعل أن تتخلص من الفاعل لذلك أصبحوا خائفين من أن يتجه الردع إلى الفاعل، والحق سبحانه يقول:

يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون

[التوبة: 64]. ونعلم أن المريب يكاد أن يقول: خذوني. إنه بسلوكه إنما يدل على نفسه، ويأتي القرآن في سورة ثانية فيقول:

وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم...

[المنافقون: 4]. وهم يتصرفون هكذا لأن الريبة تملأ أعماقهم، وكلما رأى واحد منهم مؤمنا يسير إلى ناحيته يظن أنه جاء ليؤدبه ضربا أو قتلا. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿ وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ﴾ ، وكلمة ﴿ من قبل ﴾ فيها إيحاء بأن لهم سوابق في محاربة رسول الله بغرض أن يؤذوه صلى الله عليه وسلم، ولكن الحق سبحانه يحميه دائما، ولم يعد هناك مكر أو حرب يمكن أن ينالوا بها منه صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الأمر أمثلة كثيرة، فالقرآن حينما يقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال اليهود ويوضح له:

ويقتلون النبيين بغير الحق...

[البقرة: 61]. أليس هذا القول يدفع في خاطره احتمال أن يقتلوه؟ بلى فهم ما دامت عندهم الجرأة على قتل الأنبياء فما الذي يمنعهم من قتله؟ لكن الحق يطمئنه ويكبتهم ويقطع عندهم الأمل، ويأتي قوله الحق:

فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل...

[البقرة: 91]. وقوله: ﴿ من قبل ﴾ هنا يعني أن ذلك لن يحدث الآن، فقد اختلف الموقف. وهكذا طمأن الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك كبتت هذه الفكرة إن فكروا فيها. وأيضا حين يأتي القرآن بشيء في نيتهم أن يفعلوه، ولم يفعلوا بعد، ويفضحهم القرآن بإعلان ما في نيتهم، ومن غبائهم فهم يفعلون الأمر المفضوح، ولو كان عندهم قليل من ذكاء لامتنعوا عن فعل ما فضحهم به القرآن. ويتمثل ذلك في أحد المواقف التي يحلفون فيها، ولو كان فيهم رجل رشيد يملك التفكير المتوازن لقال لهم: إنكم سوف تحلفون ﴿ إن أردنا إلا الحسنى ﴾ فلا تحلفوا حتى يشك المسلمون في القرآن، ومن غبائهم أيضا أنهم حلفوا في أمر لهم فيه اختيار أن يفعلوه أو لا يفعلوه، مثلما قال الحق سبحانه:

سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها...

[البقرة: 142]. إنهم لم يكونوا قد قالوا بعد، وأنزل الحق ذلك في قرآن يتلى كل صلاة، ويعرفه كل مسلم، فيكف يقولون نفس القول بعد أن نزل به القرآن؟ لقد فعل اليهود ذلك وهم بهذا الفعل قد اختاروا أن يكونوا سفهاء، ولم يخرج منهم عاقل واحد يحثهم على ألا يقولوا. وهنا يقول الحق: ﴿ وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ﴾ والحق هنا قد أكد الأمر حين جاء بلام القطع. وهم قد أقسموا وقالوا: ما أردنا باتخاذ هذا المسجد إلا مصلحة المسلمين ولنيسر على المعذورين والمرضى، والعاجزين عن السير إلى المسجد الآخر، وإن كانت ليلة مطيرة أو ليلة شاتية، فيستطيع الناس أن يجدوا مسجدا ثانيا ليصلوا فيه، ولكن حكم الله ينزل ﴿ والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣١٦