" لا رد الله عليك ضالتك "
لأن المسجد حين تدخله فأنت تعلن نية الاعتكاف لتكون في حضرة ربك، وعندك من الوقت خارج المسجد ما يكفيك لتتكلم في مسائل الدنيا. إذن: فهؤلاء القوم أرادوا أن ينفسوا عن نفاقهم بمظهر من مظاهر الطاعة، فقالوا: نقيم مسجدا، وبذلك نفرق جماعة المسلمين، فجماعة يصلون هنا، وجماعة يصلون هناك، وإن قعدنا نحن نصلي فيه فنكون أحرارا، ونتكلم مثلما نريد، أما حين نذهب للصلاة في المسجد الآخر، فنحن نجلس هناك مكبوتين، وغير قادرين على الكلام، ونحن نريد أن ننفس عن أنفسنا. فهم بنوا المسجد، ثم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي معهم في المسجد الجديد أثناء خروجه لغزوة تبوك فاعتذر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوضح لهم: إننا في حال لا يسمح بذلك، وإن شاء الله عند عودتنا من الغزوة نصلي فيه. وبعد أن عاد من الغزوة حاولوا أن يستوفوه وعده، ويطلبوا منه الوفاء بوعده، فإذا بجبريل ينزل عليه بالآيات التي توضح حكاية هذا المسجد، وكيف أنه مسجد ضرار لأن الله علم نيتهم في ذلك. ومعنى " الضرار " من المضارة، وأنهم أرادوا أن يأخذوا راحتهم في كل الزمن، وأن يبتعدوا عن التواجد مع المؤمنين في المسجد الذي يصلي فيه رسول الله، ويريدون أن يخلو بعضهم ببعض، وأن يتكلموا كما يريدون في مضارة المسلمين، ويفرقوا بين جماعة المسلمين. ثم يقول سبحانه: ﴿ وتفريقا بين المؤمنين ﴾. إذن: فكل ما يفتت جماعة المسلمين هو أمر ضار بمصلحة الإسلام لأن الإسلام يريد أن يعلم الناس أنهم قوة مجتمعة، ويكون أمر هذه القوة واضحا ولهذا أباح الحق أن تصلي الصلوات في أي مكان، وحتم أن نصلي جميعا يوم الجمعة في مكان واحد ليفرح المسلمون حين يرون أنفسهم مقبلين على الدين، ويلتقي كل واحد منهم بالآخر ولذلك كان مسجد الضرار هذا تفريقا بين المسلمين.
ثم يقول سبحانه: ﴿ وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ﴾ والإرصاد هو الترقب، ولذلك يقال: لقد استمر القوم في المكان الفلاني لرصد فلان، أي: أنهم أناس يترقبون مجيئه بمكان ليفتكوا به، وهذا هو ترقب الكراهية لا ترقب الحب. والذين أقاموا هذا المسجد أرصدوه مترقبين ومنتظرين إنسانا له سابقة في عداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي طلب منهم إقامة هذا المسجد وهو " أبو عامر الراهب " وقد سماه رسول الله " الفاسق ". وأبو عامر هذا رجل تنصر في الجاهلية، ولم تكن الجاهلية بيئة ديانات، فمن كان مثلا يسافر إلى مكان ويسمع بدين فهو يأتي به ليدعوا لهذا الدين ويترأس من يتبعونه، وأبو عامر من هؤلاء الذين تنصروا وصاروا في المدينة، فلما جاء رسول الله ليبطل كل هذه الأشياء في المدينة وزالت رياسته، عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال له في أحد: ما رأيت قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم. وحين تمكن الإسلام في المدينة فر إلى مكة، ولما فتحت مكة فر إلى الطائف، فلما آمن أهل الطائف، لم يجد له وطنا فذهب إلى الروم " بالشام ". ثم كتب للمافقين أن أعدوا مسجدا لأني سأتي لكم بقوة من ملك الروم لأهاجم محمدا وأحاربه وأخرجه من المدينة. إذن: فهم قد بنوا ذلك المسجد ضرارا، وكفرا، وتفريقا، وإرصادا، أي: ترقبا وانتظارا لذلك الراهب الذي سيذهب إلى الشام ويأتي بجنود لمحاربة الله ورسوله. ورغم أنهم قد فعلوا ذلك، فقد امتلكوا جراءة الطلب من رسول الله أن يصلي معهم فيه بهدف ترسيم هذا المكان مسجدا ليصلي فيه الناس ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى فيه، وظنوا أن هذه المكيدة سوف تفلح، ولكن الله الذي يحرس نبيه، ويحرس دينه من المنافقين، كشف له حقيقة هذا المسجد. وقد يتغافل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين بعض الشيء لحكمة، فهم قد أخذوا بالإسلام لونا من الصحبة، ولم يفضحهم أولا حتى لا يقال: إن محمدا يحارب أصحابه لذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم ما لم يكن يعلمه غيره لذلك أراد أن يحمي الإسلام من لسان من لم يعلم. ولكن بعد أن انكشف الأمر أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم " مالك بن الدخشم " و " عامر بن السكن " ، و " وحشي " قاتل حمزة، و " معن بن عدي " ليهدموا هذا المسجد، وأن يجعلوا في موضعه مكان " القمامة ".