ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا...
[التوبة: 85]. أو أن يكون العذاب في الدنيا هو ما يرونه حين تغرغر النفس، لحظة أن تبلغ الروح الحلقوم، ويرى المغرغر الملائكة مصداقا لقوله الحق:
ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق
[الأنفال: 50]. وكل هذه ألوان من العذاب في الدنيا. والإنسان - كما نعلم - في استقبال الزمن له ثلاث حالات: زمن هو حياته الدنيا، وزمن هو زمن موته، وزمن هو زمن آخرته. فحين يصاب المؤمن في الزمن الأول - زمن حياته - يعزيه في مصابه الزمن الأخير، وهو زمن آخرته. أما حين يصاب الكافر أو المنافق في زمن حياته، فلا شيء يعزيه أبدا لأنه لا يؤمن بالله ولا هو يطمع في شيء من خيره سبحانه.
ويأتيه الزمن الثاني، وهو زمن الموت، وفيه عذاب القبر. والعذاب إنما يكون بأحد اثنين: إما عرض ما يعذب به، أو دخول فيما يعذب به، وهذا يكون في الآخرة. أما عرض العذاب فهو القبر كأنه يقول لك: انظر ما ينتظرك. وما دام الإنسان يرى الشر الذي ينتظره، أليس هذا عذابا؟ إنه عذاب مؤكد. ﴿ سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ ولو قال الحق: " نعذبهم مرتين " فقط بدون السين، لصار لها معنى آخر مختلف تماما. يتلخص في أن من يصيبه عذاب، فقد انتهى حسابه. لكن قوله: ﴿ سنعذبهم ﴾ يؤكد لنا كلما قرأناه أن العذاب متصل. وينهي الحق الآية الكريمة بقوله: ﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ وكلمة ﴿ يردون ﴾ مثلها مثل ﴿ يرجعون ﴾ أو ﴿ يرجعون ﴾ ونحن نقول مرة: " يرجعون " وأخرى " يرجعون " ، فكأن النفس البشرية تألف جزاءها في قولنا: " يرجعون " ، أما قولنا: " يرجعون " ففي الكلمة قوة عليا تدفعهم ألا يتقاعسوا. وهكذا نجد المعذب إما مدفوع بقوة عليا، وإما أن توجد فيه بقوة ذاتية تجعله يذهب إلى العذاب. والإنسان قد يتصرف تصرفا ما، ثم يرد إلى أفكاره فلا يعجبه هذا التصرف، ويستقبل نفسه بالتوبيخ وبالتعنيف لأن هناك إلحاحا من النفس على العقوبة، وهو إلحاح يأتي من ذات النفس. والنفس الأمارة بالسوء قد تقضي حياتك معها في أمر بالسوء، ثم حين يأتي العقاب فأنت تقول لها: " اشربي أيتها النفس نتيجة ما فعلت ". إذن فالمعذب يدفع مرة للعذاب، وأخرى يندفع بذاته. ﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ ومثلما قلنا من قبل: فإن هناك ألوانا متعددة من العذاب، فهناك العذاب العظيم، والأليم، والمهين، والمقيم. والعذاب العظيم يأتي إما بأسباب وإما بمسبب، وعذاب الدنيا كله بأسباب، فقد يكون العذاب بالعصا، أو بالكرباج، أو بالإهانة، والأسباب تختلف قوة وضعفا، أما عذاب الآخرة فهو بمسبب، والمعذب في الآخرة واحد وقوته لا نهاية لها، وإن قست عذاب الآخرة بالعذاب في الدنيا فمن المؤكد أن عذاب الآخرة عذاب عظيم. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ وآخرون اعترفوا... ﴾.