إذن: فكل عضو له مهمة. فإن كانت المهمة هي النطق باللسان نسميها القول. وإن كانت مهمة من مهام باقي الجوارح عدا اللسان نسميها الفعل. فاللسان وحده أخذ القول، وكل الجوارح أخذت الفعل. والقول والفعل معا نسميهما عملا. فإذا قال الحق سبحانه وتعالى: " يفعلون " يكون ذلك مقابل يقولون لأن الإنسان قد يقول بلسانه ولا يفعل بجوارحه. وتوضح ذلك الآية الكريمة:
يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
[الصف: 2-3]. ولكن إذا اتحد القول والفعل يكون هناك عمل. وكل شيء لا يتسق منطقيا مع قيم المنهج يكون فيه افتعال، فالكسب عمل، والاكتساب افتعال الكسب لأن الكسب عمل طبيعي، والاكتساب هو افتعال الكسب. وسبحانه يقول:
لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت...
[البقرة: 286]. لأن الاكتساب بالحرام فيه افتعال يتعب النفس، ولا يجعلها منسجمة مع جوارحها، فالرجل مع زوجته في البيت مستقر الجوارح لا يخشى شيئا. لكنه مع زوجة غيره يهيج جوارحه فيقفل النوافذ ويطفئ الأنوار. وإن دق جرس الباب يصاب بالذعر والهلع لأن ملكات النفس ليست منسجمة مع العمل. أما إذا اعتادت النفس الإثم مثل من اعتاد الإجرام، فلا يهيجها الحرام. وفي هذه الحالة تنقلب عملية الاكتساب إلى كسب، وتعتاد النفس على المعصية وعلى الإثم، ويصبح جزاؤها عند الله أليما وعذابها عظيما. ويقول الحق سبحانه في هذه الآية: ﴿ جزآء بما كانوا يكسبون ﴾ وكان مقتضى الكلام أن يقال: " جزاء بما كانوا يكتسبون " لأن هذه عملية فيها إثم وفيها معصية، فلا بد أن يكون فيها افتعال، ولكن الحق سبحانه وتعالى يلفتنا إلى أن هؤلاء المنافقين قد اعتادوا المعصية، وعاشوا في الكفر، فأصبحت العملية سهلة بالنسبة لهم، ولا تحتاج منهم أي افتعال. واقرأ قول الحق:
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من الله...
[المائدة: 38]. والسرقة ليست أمرا طبيعيا، لذلك يقوم بها السارق خفية ويبيت لها ويفتعل ولذلك كان من المنطقي أن يقال " اكتسبوا " لكن شاء الحق أن نعرف أن السرقة قد أصبحت في دم هؤلاء، ومن كثرة ما ارتكبوها فهي بالنسبة لهم عملية آلية سهلة. وقد وضع التشريع لها نطاقا وهو ربع دينار مثلا. والذي يسرق دون هذا النطاق لا يطبق عليه حد قطع اليد. لماذا؟ لأن ربع الدينار في ذلك الوقت كان يكفي لقوت أسرة متوسطة العدد لمدة يوم واحد. فإذا سرق أي إنسان ما يكفي قوت أسرة لمدة يوم واحد، يقال: ربما فعلها لأن أسرته لا تجد ما تأكله، فإذا أخذ أكثر من الضرورة، يكون قد أخذ أكثر مما يحتاج إليه، وتكون السرقة قد حدثت ويقام عليه الحد.
ونحن نعلم أن العقل البشري وظيفته الاختيار بين البدائل، ومفروض أن يقدر الإنسان العقوبة ويستحضرها ساعة وقوع المعصية، وأن يستحضر الثواب ساعة القيام بالطاعات ترغيبا للإنسان في الطاعة. ونحن نأتي للطالب المجتهد ونطلب منه أن يخفف من المذاكرة، لكنه لا يترك الكتاب لأنه استحضر النجاح وما سيحدث بعد النجاح من دخوله الكلية التي يريدها، أو بعد تخرجه من الجامعة إن كان قد وصل إلى مرحلة التخرج، وكذلك استحضر نظرة أهله وأساتذته وزملائه إليه، وهو يستحضر كل ذلك مما يدفعه لقضاء ساعات طويلة في المذاكرة دون أن يشعر بالتعب. إذن: فالذي يحببك في الطاعة هو استحضار لذة الثواب القادم. والذي يكرهك في المعصية هو استحضار ألم العقاب الذي لا بد أن يحدث. ولكن هؤلاء المنافقين والكفار قد اعتادوا المعصية والكفر حتى أصبح سلوكهم المخالف للإيمان إنما يحدث منهم دون أن يستحضروا عقوبة المعصية، فهم يرتكبون المعاصي وهم فرحون. ولو قال الحق كلمة: " يقولون " لكان كلامهم بغير فعل. ولو قال: " يفعلون " لكان فعلا لا يشترك فيه اللسان بالقول. ولو قال " يعملون " لكان فعلا وقولا فقط. ولو قال " يكتسبون " لفهمنا أن المعصية تثير انفعالا وتهيجا في داخلهم لأنهم لم يعتادوها. ولكن جاء قوله تعالى: ﴿ يكسبون ﴾ ليعطينا المعنى الصحيح في أنهم قد اعتادوا المعصية حتى أصبحوا يفعلونها بلا افتعال. ويأتي الحق سبحانه وتعالى ليرينا حكمه في الدنيا على هؤلاء المنافقين الذين فرحوا بتخلفهم عن الجهاد في سبيل الله، فيقول: ﴿ فإن رجعك الله إلى طآئفة... ﴾.