إذن: فأنت الذي تحدد المساحة التي لك في الجنة، وتحدد المسكن وأنواع النعيم بقدر عملك. ثم ما الذي يهددك في نعيم الدنيا؟ الذي يهدد الناس في الدنيا أحد شيئين: إما أن تزول عنهم النعمة فيفتقروا، وإما أن يزولوا هم عن النعمة بالموت. ولكن نعمة الآخرة ليس فيها هذا التهديد. إنها النعمة الخالدة وأهل الجنة فيها خالدون. لذلك يقال: يا أهل الجنة، خلود بلا موت ونعيم بلا بؤس. ولقد زاد الحق تبارك وتعالى في وصف الخلود فقال: ﴿ خالدين فيهآ أبدا ﴾ والخلود بقاء طويل جدا، والأبدية لا تنتهي. وسبحانه حين تكلم عن الخلود استثنى فيه، فقال سبحانه وتعالى:
وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شآء ربك...
[هود: 108]. أي سماء وأي أرض تلك التي تحدث عنها الحق سبحانه وتعالى؟ هل هي السماء التي نراها؟ إننا نعلم أن الأرض التي نعيش عليها ستبدل وأن السماوات ستمور. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يتحدث عن السماوات والأرض بالنسبة للآخرة. فهو يتحدث عن السماوات والأرض المبدلتين مصداقا لقوله تبارك وتعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار
[إبراهيم: 48]. إذن: فما دامت السماوات والأرض ستتبدل، فالله سبحانه وتعالى يحدثنا عن السماوات والأرض في الآخرة غير حديثه عن السماوات والأرض في الدنيا. ولكن بعض السطحيين يقول: إن القرآن يتحدث عن بقاء المؤمنين في الجنة ما دامت السماوات والأرض ثم يقول:
إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت
[التكوير: 1-3]. فكأن هذه الأرض التي نعيش فيها، والسماء التي تظلنا ستدمر يوم القيامة، فلماذا يقول الحق:
خالدين فيها ما دامت السموات والأرض...
[هود: 108]. فأين هو الخلود إذن؟ نقول لهؤلاء: اقرأوا القرآن كله لتعرفوا أن الحق سبحانه وتعالى قال:
يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات...
[إبراهيم: 48]. إذن: فهذه الأرض هي أرض معاش وما فوقها من سماء هي سماء معاش ستتبدل بأرض معاد لأن الأرض التي نعيش عليها فيها مقومات الحياة بالأسباب، تزرع وتحصد وتصنع، أما في الآخرة فحياتك كلها بدون أسباب منك ولذلك ساعة يخطر الشيء على بالك تجده أمامك دون أن تتحرك أو تحرث أو تزرع أو تتحمل أي مشقة. أما هنا في هذه الدنيا، الأرض أرض المعاش تنعم فيها وتأخذ منها بقدر إمكاناتك، ولكن أرض المعاد تأخذ منها بإمكانات الحق سبحانه وتعالى. ومهما ارتقت الدنيا وارتقت أسبابها، لا يمكن أن تصل إلى أنك يخطر على بالك الشيء فتجده أمامك. وسبحانه يقول: ﴿ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك ﴾ فكأنه استثنى بعض الناس من الخلود.
فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شآء ربك...
[هود: 106-107]. أي: أن الجنة والنار لهما خطان، وبمجرد أن يحاسب الإنسان، إما إلى الجنة وإما إلى النار، فإن كان الذي يحاسب من الكفار أو المنافقين، يكون بدء خلوده من أول لحظة دخل فيها النار ويبقى فيها خالدا. وأما إن كان الذي يحاسب مؤمنا عاصيا، فهو يدخل النار على قدر ما عمل من السيئات، ثم بعد ذلك يدخل الجنة. إذن: فالذي دخل النار أولا حالتان: حالة أبدية وهم المنافقون والكفار، وحالة مؤقتة وهم عصاة المؤمنين، والخلود في النار بالنسبة لعصاة المؤمنين ناقص من الآخر، أما الذين عملوا الصالحات فهم يدخلون الجنة ابتداء وخلودا، أما عصاة المؤمنين فلا يدخلون الجنة إلا بعد أن ينالوا جزاءهم من العقاب. وبذلك يكون خلود عصاة المؤمنين في الجنة ناقصا من البداية لأنهم لم يدخلوها بعد الحساب مباشرة، وخلودهم في النار ناقص من الآخر لأنهم لم يخلدوا فيها: ويقول سبحانه: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن ﴾ أي: أن مساكن المؤمنين في الجنة ستكون أيضا جنات خاصة بها، وكلمة ﴿ عدن ﴾ مادتها العين والدال والنون معناها الإقامة. و " عدن في المكان " ، أي أقام فيه. إذن: فهي جنات إقامة لأن هناك فارقا بين أن تسكن في فندق مثلا، أو في مكان مؤقت، وبين أن تقيم خالدا. وحين يعطي الحق سبحانه للمؤمن بشرى بأشياء، فهو يريد دائما ألا ننسى أنها منسوبة إلى قدرته سبحانه، والشيء يتناسب مع قدرة صاحبه أو فاعله. فالرجل الفقير حين يبني مسكنا يكون المسكن متواضعا مجرد حوائط تستر الإنسان، أما صاحب الإمكانات الضخمة فيبني قصرا كبيرا، فإن كان واجد الوجود الأعلى هو الذي صنع، فكل شيء إنما يتم على مقتضى قدرته وإمكاناته فهو الذي يمسك الأمور كلها، ويأتي تنفيذه لأي شيء وفق ما يريد. إذن: فالخلود في جنات عدن خلود دائم، وهي جنات يعلو فيها التنعيم لدرجة من علوها لا يحب الإنسان أن يتركها أبدا لأنها أعلى مراتب الجنة ولا يوجد أحسن منها. والإنسان حينما يكون بمكان فإنه لا ينتقل منه إلا إذا زهد ما فيه، فلو كان ما في جنات عدن مما يزهد فيه بعد فترة ما وصفها الله بهذا الوصف. ولكي يصل الإنسان إلى النعيم لا بد من موجد لهذا النعيم وهو الله سبحانه وتعالى، وما يتمتع الإنسان به وهو الجنة، والمنعم عليهم بالنعمة، وهم المؤمنون والمؤمنات. ومن أطاع الله طمعا في الحصول على نعيم الله في الآخرة، يأخذ هذا النعيم. والذي أطاع الله لذات الله، ولأنه سبحانه وتعالى يستحق أن يعبد لذاته ويطاع، يكون في الآخرة مع التعظيم والتكريم والمحبة واللقاء بالمنعم. إذن: فكل إنسان لما عمل له، فإذا زادت عبادتك عما فرض الله عليك، وأحببت أن تكون دائما في لقاء مع الله، بأن تقوم الليل وتتهجد، وتقرأ القرآن وتصلي والناس نيام، وتتقن العمل الذي ترتقي به حياتك وحياة غيرك، وتفعل ذلك محبة في الله الذي يستحق التعظيم، فأنت تستحق المنزلة الأعلى، وهي أن تكون في معية الله.