ولمن خاف مقام ربه جنتان
[الرحمن: 46]. وهنا لا بد أن ننتبه لمعطيات الألفاظ في سياقها ومقامها فسورة الرحمن لا تتكلم عن الإنس فقط، وإنما تتكلم عن الإنس والجن. فسبحانه وتعالى يقول:
خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجآن من مارج من نار
[الرحمن: 14-15]. وكذلك قوله جل جلاله:
سنفرغ لكم أيه الثقلان
[الرحمن: 31]. إذن: فيكون للإنس جنة وللجن جنة لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
ولمن خاف مقام ربه جنتان
[الرحمن: 46]. من خاف مقام ربه من الإنس له جنة، ومن خاف مقام ربه من الجن له جنة. ويمكن أن يكون المعنى أن لكل واحد جنتين لأن الحق سبحانه وتعالى علم أزلا ما سيصير إليه أمر عباده من التقوى أو الفجور، ولكنه تبارك وتعالى لم يخلق للمتقين جنات تكفيهم وحدهم، أو يخلق للكفار نارا تكفيهم وحدهم، بل خلق لكل واحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة جنة، ولكل واحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة نارا، فإذا دخل أهل الجنة الجنة بقيت الجنات التي خلقت ولم يدخلها أحد لأن أصحابها من أهل النار، فيقوم الحق بتوزيعها على المؤمنين أصحاب الجنة مصداقا لقوله تعالى:
وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون
[الزخرف: 72]. أي: أنها لم تكن مخلوقة لكم، ولكنكم ورثتموها لأن أصحابها من أهل النار. ونزيد الأمر هنا توضيحا، فالقرآن الكريم له أسلوب مميز لأن الذي يتكلم هو الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن كل لفظ من ألفاظ القرآن الكريم يأتي مطابقا للمعنى تماما. وفي اللغة، قبل أن تتكلم لا بد أن تكون عالما بمعنى اللفظ. وأن يكون محدثك أيضا عارفا معناه حتى يستطيع أن يفهمك. فإذا قلت لإنسان مثلا: أحضر لي كوبا من الماء لأشرب، فلا بد أن يكون عارفا لمعنى الماء ومعنى الكوب، وإلا فإنه لن يفهم. إذن: فبالتخاطب توجد المعاني أولا ثم توجد لها الألفاظ ولذلك قبل أن يتم اختراع التليفزيون لم يكن المعنى موجودا، وعندما اخترع وفهمنا معناه وضع له الاسم. فإذا وجدت لفظا في اللغة، فاعلم أن المعنى قد وجد أولا قبل أن يوضع اللفظ أو الاسم، ولعل هذا هو أكبر دليل لغوي ضد من ينكرون وجود الواجد الأعلى. نقول لهم: إن الله موجود في كل لغة وبما أن المعنى في اللغة يوجد أولا. فوجود الله سبحانه وتعالى سابق لمعرفتنا باسمه سبحانه وتعالى لأن الاسم لا يمكن أن يوجد إلا بعد أن يوجد المعنى، وما دمت قد نطقت بالاسم، فهذا دليل على أن الله موجود. إذن: فقولك: إن الله غير موجود باطل لأنك ما دمت قلت: " الله " ، ووجد لفظ الجلالة في لغتك فلا بد أن الله سبحانه وتعالى موجود قبل وجود لفظ الجلالة. والكفر طرأ على اللفظ، فحاول أن يستره ولذلك سمى الكفر سترا لوجود الله. والستر لا يكون إلا لموجود. إذن: فالذي كفر، ستر موجودا فأعطى دليل الإيمان لأنك أيها الكافر - والعياذ بالله - تعرف لفظ الله في لغتك، ولو لم يكن الله موجودا ما وجد لفظ " الله " سبحانه وتعالى في اللغة. إذن: فوجود الله سابق لمعرفتنا اسم الله، ومحاولة ستر ذلك بالكفر إنما هي دليل على وجود الله، لأنك لا تستر إلا ما هو موجود.
ولفظ الجنة في القرآن الكريم أطلق على معان كثيرة، في قوله تعالى:
إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين
[القلم: 17]. وقوله جل جلاله:
جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل...
[الكهف: 32]. إذن: فالجنة أطلقت في القرآن على المكان الذي فيه زروع وثمار وأشجار، فهو يحجب من دخله، أو يمنع الإنسان بالخير الذي في داخله من الحاجة للخروج إلى مكان آخر لأن فيه كل مقومات الحياة. وحين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يبشرنا بشيء في الآخرة، لا بد أن يشبهه لنا بشيء نفهم معناه في الدنيا لأن اللغة مكونة من ألفاظ وأسماء سبقتها معان حتى نستطيع أن نفهمها، ولذلك إياك أن تفهم أن جنة الدنيا هي جنة الآخرة لأن الحق سبحانه وتعالى يستخدم اللفظ الذي تفهم أنت معناه. ولكن جنة الآخرة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولكن من أين نأتي بالألفاظ التي يمكن أن تعبر لنا عن ذلك؟ إن اللفظ لا يوجد إلا إذا كان المعنى موجودا أولا، ومن يستطيع أن يأتي بلفظ لم تره عين، ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر؟ مستحيل لأن المعنى غير موجود. ولذلك ينبهنا الحق سبحانه إلى هذه النقطة، ويوضح لنا أنه يعطينا معنى تقريبيا حتى نستطيع أن نفهمه فيقول سبحانه وتعالى: