تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: فعندنا جنات، وهي لجميع المؤمنين، ثم مساكن طيبة، أي مسكن طيب لكل مؤمن، وما هو الطيب في هذه المساكن؟ لنا أن نلاحظ أن الإنسان يحب الشيوع أولا، ثم يحب الانكماش ثانيا، وإذا أراد أن يملك فهو يريد أن يملك مكانا متسعا خاصا به، ثم يخصص في هذا المكان مأوى طيبا خاصا به. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ومساكن طيبة ﴾ أي: ليس فيها ما يسيء أو يضايق، بل كل ما فيها يملأ النفس بالسرور والبهجة. وكلمة " جنة " هي المكان الذي فيه زروع وخضرة، وهذه الزروع تسترك وتخفيك عن الأعين، أو أنها تسترك فلا تحتاج إلى أن تخرج منها لأن فيها كل مقومات حياتك من طعام وشراب. والحق سبحانه وتعالى أطلق لفظ " الجنة " على بساتين الأرض، فقال:

أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب...

[البقرة: 266]. ويقول تعالى أيضا:

إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة...

[القلم: 17]. وعندما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة الجنة في الآخرة كيف بينها لنا سبحانه مع أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ نقول: الوجود المعروف في الكون هو الوجود الذي تراه أو تسمعه، وفي هذه الحالة يكون الوجود أوسع لأنك ستسمع الذي رآه غيرك حين يقصه عليك. إذن: فالسماع أوسع من الرؤية لأنه يأخذ مجالك ومجال غيرك. فأنت إذا قلت: إنك ذهبت إلى نيويورك مثلا تكون قد رأيت، فإذا لم تذهب ونقل إليك أحد أصحابك صورة هذه المدينة، تكون دائرة معلوماتك أوسع لأنك أضفت إلى علمك ما رأيته وما رآه غيرك. وأما الأشياء التي لا تخطر على بال بشر، فهي أوسع كثيرا مما ترى وتسمع لأنها أشياء فوق الحصر. والكلمات توضع لمعان معلومة، فألفاظ اللغة لا بد أن توضع لمعان مرت على العين، أو مرت على السمع، أو مرت على الخاطر. فقبل أن يخترع التليفزيون لم يكن له اسم، إذن: فلا يمكن أن يكون هناك اسم، إلا إذا كان هناك وجود أولا، ولكن قبل الوجود لا يكون هناك في اللغة ما يعبر عن شيء غير موجود. ولكن الألفاظ تضاف إلى اللغة بعد وجود الشيء. وهذه مهمة المجامع اللغوية في العالم. فالأشياء توجد أولا، ثم تجتمع هذه المجامع لتختار لها أسماء.

ولكن الجنة في الآخرة سيكون فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، فليس عندنا ألفاظ تعبر عما في جنة الآخرة، فإذا أضفنا إلى ذلك " ولا خطر على قلب بشر " تكون اللغة عاجزة تماما عن أن تعبر عما في جنة الآخرة. وسبحانه وتعالى حين يريد أن يعطينا صورة عن الجنة التي وعد بها المتقين فهو يوضح: أنتم لا تستطيعون أن تأخذوا هذه الصورة من لغتكم لأن لغتكم قاصرة فأنتم لم تروا هذه الأشياء، ولم تسمعوا عنها ولا تستطيع عقولكم أن تستوعب ما في جنة الآخرة لأن فيها ما لم يخطر على قلب بشر. ولذلك فهو سبحانه وتعالى يعطينا فقط مثلا ليقرب لنا الصورة فلا يقول الجنة، وإنما يقول:

مثل الجنة التي وعد المتقون...

[محمد: 15]. أي: أن هذا مثل فقط يقرب الصورة، ولكنه ليس حقيقة ما هو موجود في الجنة. وهنا يقول سبحانه: ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ و ﴿ جنات ﴾ جمع " جنة ". ومادة الجيم والنون هذه مأخوذة من الستر والتغطية. اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:

فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لا أحب الآفلين

[الأنعام: 76]. يعني: ستر وأظلم، والجنون ستر العقل. والجنة تستر من فيها لأن أشجارها كبرت ونمت وترعرعت. بحيث يكون من يسير فيها مستورا بأغصان الشجر وأوراقه فلا يراه أحد. ويكون مستورا في كل مطلوبات حياته. فلا يحتاج أن يخرج منها لأن فيها كل مطلوبات الحياة من الماء والطعام والمكان يجلس أو يتريض فيه، وغيرها من النعم التي أنعم الله بها عليه. فإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد وعد المؤمنين والمؤمنات جنات، فإن المؤمنين جماعة، والمؤمنات جماعة، والموعود به جنات جمع، وتقابل الجمع بالجمع يقتضي القسمة لآحاد، فيكون المعنى: أن الله وعد كل مؤمن جنة، ووعد كل مؤمنة جنة، والأفراد ستتكرر. إذن: فالموعود به جنات لا بد أن تتكرر، فإذا قسمناها عرفنا نصيب كل مؤمن ومؤمنة، تماما مثلما يقول الأستاذ لتلاميذه، أخرجوا كتبكم. و " أخرجوا " أمر لجماعة، وكتبكم جمع، أي: أن يخرج كل تلميذ كتابه. وقول المعلم " أمسكوا أقلامكم " يعني: أن يمسك كل تلميذ قلمه. إذن: فقول الحق سبحانه ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ﴾ أي: أن لكل واحد جنة. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الرحمن:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٥٣