" ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله؟ المحيا محياكم والممات مماتكم، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار "
وهنا بكى الأنصار، وعرفوا أنهم سيعودون بما هو أكبر كثيرا من الغنائم سيعودون بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يعطي رسول الله صلى الله عليه حديث عهد بالإسلام شيئا من الصدقة ليربطه بهذا الدين، وقد يعطى لتأليف القلوب، وقد يعطي لفقير تأبى عزة نفسه أن يعترف أمام الناس بحاجته. ولذلك كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ملاحظة في توزيع الصدقات والغنائم، قد لا يلحظها أحد. وكان الواجب على المسلمين أن يقبلوا عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن سلوكه هو الحكم، ولا بد أن نقبله.
ففي الحديبية مثلا حيث حدث عهد بين رسول الله صلى الله عليه وبين كفار قريش بألا يتعرض أحد منهم للآخر مدة عشرة أعوام، هذا الصلح أثار غضب عدد من المؤمنين وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنرضى بالدنية في ديننا؟ أي: كيف نعطيهم هذه العهود وهي مجحفة بالنسبة لنا؟ حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انفعل وأراد أن يقسو في الكلام وقال لرسول الله عليه الصلاة والسلام: ألست على حق يا رسول الله؟ فقال له أبو بكر: الزم غرزك يا عمر - أي اعرف مكانك - إنه رسول الله. وبعد أن مرت فترة من الزمن وعرف المسلمون الحكمة من صلح الحديبية، وما أتاحه هذا الصلح للإسلام من انتشار وقوة أدت إلى فتح مكة، قال أبو بكر رضي الله عنه: ما كان نصر في الإسلام أعظم من نصر الحديبية. ولكن المسلمين في هذا الوقت لم يحط فكرهم بما بين محمد وربه لأن العباد دائما يعجلون، والله لا يعجل عجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. وقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يهدئ نفوس المؤمنين، وقبل أن يصلوا إلى المدينة عائدين بعد صلح الحديبية، نزل قوله تعالى:
هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما
[الفتح: 25]. وهكذا أطلع الله المؤمنين على علة قبول صلح الحديبية وعدم القتال مع المشركين في هذا الوقت وذلك المكان، فقد كان هناك مؤمنون في مكة يكتمون إيمانهم ويعيشون في مجتمع المشركين الذين يمكنهم البطش بهؤلاء المسلمين لو علموا بوجودهم. كما أن المسلمين القادمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفون هؤلاء المؤمنين، فإذا قامت المعركة فقد يقتل المسلم مسلما، لأن الذين قدموا من المدينة لو دخلوا مع أهل مكة في قتال فقد يقتلون بعضا من إخوانهم في الإيمان الموجودين في مكة، فهم لا يعرفونهم. ولو كان المؤمنون في ناحية والكفار في ناحية لعذب الحق الكفار بأيدي المؤمنين عذابا أليما. إذن: فقد علم رسول الله من ربه سرا ولم يعلنه إلا لوقته، رغم تعجل من كانوا معه صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا يحدث في حياتنا، قد نجد مؤمنا يدعو الله ولا تجاب دعوته وعلى هذا المؤمن ألا يحزن، بل عليه أن يعلم أنه قد يكون في عدم الإجابة خير لا يعلمه. وأن من رحمة الله أنه لم يجب هذه الدعوة، مثلما تحمي ابنك الشاب من أن يحمل سلاحا خوفا من أن يتهور في أي مشاجرة ويقتل أحدا، رغم أن السلاح معه حماية له، ولكنه أسلوب حماية قد يحمل الضرر، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة.
وحين تدعو الله ولا يجيب دعاءك، فثق أنه سبحانه يحميك من نفسك لأنك لا تعلم والله سبحانه وتعالى يعلم. فقد تدعو بشيء تحسبه خيرا والله سبحانه يعلم أنه شر. إذن: فعدم إجابة هذه الدعوة هو عين الإجابة لها. الحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ﴾ والسخط هو: عدم الرضا في القلب، ثم يتعدى ذلك إلى اللسان، مثلما قال حرقوص بن زهير لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اعدل يا محمد. أي: أنه سخط بقلبه أولا، ثم أساء بلسانه ثانيا. وساعة يعرض الحق سبحانه لنا الداء في المجتمع الإيماني فهو جل وعلا يعطي الدواء الذي يحمي المجتمع من هذا الداء، وهؤلاء الناس كانوا يعيبون تشريع الصدقة، رغم أنهم إن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا سخطوا، إذن: فموازينهم مختلة، وليست موازين حق ثابت، بل هي موازين هوى النفس، لكن موازين الحق لا تتبع ولا تتوقف على هوى النفس، بل هي موازين ثابتة يعدل فيها الإنسان حتى مع ألد أعدائه. ولكن هؤلاء الناس تختلف انفعالاتهم باختلاف مصلحتهم، إذا أخذوا رضوا، وإذا منعوا سخطوا لأن ميزانهم هو المصلحة الخاصة البعيدة عن كل عدل. وهنا يأتي الحق سبحانه وتعالى بالعلاج فيقول جل جلاله: ﴿ ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله... ﴾.