فاصبروا أو لا تصبروا..
[الطور: 16]. وقوله تعالى:
اعملوا ما شئتم..
[فصلت: 40]. أي: أنكم إن صبرتم أو لم تصبروا فإن ذلك لن يغير شيئا من الجزاء الذي سوف تلاقونه، فالأمر سواء. ولو كان قوله تعالى: ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ أمرا لكان كل من عمل معصية داخلا في الطاعة لأن الله أمره أن يفعل ما يشاء. ولكن هذا أمر تهديدي، أي: افعلوا ما شئتم فأنتم عائدون إلى الله وسيحاسبكم على ما عملتموه. ولن تستطيعوا الفرار من الله سبحانه. وقوله تعالى: ﴿ أنفقوا ﴾ هو - إذن - أمر تهديدي لأنه لن يجديكم أن تنفقوا طوعا أو كرها. وكلمة ﴿ كرها ﴾ وردت في القرآن الكريم في أكثر من سورة، فهي في سورة آل عمران، وفي سورة النساء، وفي سورة التوبة، وفي سورة الأحقاف، وفي سورة الرعد، وفي سورة فصلت، قد ذكرت ﴿ كرها ﴾ بفتح الكاف وقرأها بعضهم بضم الكاف. وقال البعض: إن " كرها " بفتح الكاف و " كرها " بضم الكاف بمعنى واحد. نقول لهم: لا، إن المعنى ليس واحدا، فمثلا قول الحق سبحانه وتعالى:
حملته أمه كرها ووضعته كرها...
[الأحقاف: 15]. فالكره هنا ليس للحمل ولا للوضع، ولكن للمشقة التي تعانيها الحامل أثناء حملها وعند الولادة. فلم يكرهها أحد على هذا الحمل. ولكن البعض يقول: إن الحمل يحدث وليس للمرأة علاج في أن تحمل ولا أن تضع، فلا توجد امرأة تقول لنفسها: " سوف أحمل الليلة " لأن الحمل يحدث دون أن تعي هي حدوثه، فالحمل يحدث باللقاء بين الرجل والمرأة.
والمرأة لا تستطيع أن تختار ساعة الحمل ولا أن تختار ساعة الولادة، ولا تستطيع أن تقول: سألد اليوم أو لن ألد اليوم. فكل هذا يحدث إكراها بغير اختيار منها. ولذلك نقول لمن يقولون أن " كرها " بفتح الكاف و " كرها " بضم الكاف بمعنى واحد: لا لأن " الكره " بضم الكاف هو ما لا يريده الإنسان لأن فيه مشقة، و " الكره " بفتح الكاف هو ما فيه إكراه من الغير. إذن ف " كرها " بفتح الكاف تختلف في معناها عن " كرها " بضم الكاف. الحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم ﴾ أي: لن يقبل الله منكم ما تنفقونه. ولكن ما الفرق؟ لقد كان المنافقون يدفعون الزكاة ويقبلها الرسول منهم ولم يرفضها أدبا منه صلى الله عليه وسلم، فكل عمل يؤدى ثم يذهب إلى الرقيب الأعلى وهو الحق سبحانه وتعالى. ولكن حدث أن واحدا من هؤلاء هو ثعلبة طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بالغنى، فلما دعا له ورزقه الله الرزق الوفير بخل عن الزكاة، وحاول أن يتهرب من دفعها فنزل القول الكريم:
ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون
[التوبة: 75-77]. وعندما نزلت هذه الآيات جاء ثعلبة ليدفع الزكاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها منه. وعندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ثعلبة إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبل منه الزكاة. وبعد أبي بكر جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يقبلها منه. ومات ثعلبة في عهد عثمان. هذا هو عدم القبول. ولكن هناك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من دفع الزكاة من المنافقين وقبلت منه، ولكن الله لم يتقبلها منه. إذن: فكل عمل قد يقبل من فاعله، ولكن الله سبحانه وتعالى قد يتقبله أو قد لا يتقبله. إذن فالآية معناها: أن الله لن يتقبل من هؤلاء المنافقين إنفاقهم في الخير ولو تقبله البشر. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى السبب في ذلك فيقول: ﴿ إنكم كنتم قوما فاسقين ﴾ وكما قلنا: إن كلمة الفاسق مأخوذة من " فسقت الرطبة " أي انفصلت القشرة عن الثمرة. وقشرة البلح مخلوقة لتحفظ الثمر. وعلمنا أن المعاني في التكليف الشرعي قد أخذت من الأمور الحسية ولهذا تجد أن الدين سياج يمنع الإنسان من أن يخرج على حدود الله ويحفظه من المعصية، والإنسان حين ينفصل عن الدين إنما يصبح كالثمرة التي انفصلت عن سياجها. فالذي يشرب الخمر أو يرتكب الجرائم أو الزنا يعاقب على معصيته، أما إن كان الإنسان منافقا بعيدا عن الإيمان بالله فطاعته لا تقبل. وهب أن الإنسان مؤمن بالله ولكنه ضعيف أمام معصية ما، هنا نقول: لا شيء يجور على شيء، إن له ثواب إيمانه وعليه عقاب معصيته. إذن: فالفسق في هذه الآية الكريمة ليس هو الخروج عن مطلق الطاعة. ولكنه فسق من نوع خاص لأن هناك فسقا محدودا وهو أن يخرج الإنسان عن مجرد تكليف. ولكن الفسق الكبير هو أن يكفر الإنسان بالله. ولذلك جاءت الآية الكريمة التالية: ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم.. ﴾.