إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
[المطففين: 29-36]. وهذه الآيات تعطينا صورة لما يحدث عندما يعم الفساد في الأرض، فالذين سخروا من المؤمنين يضحكون ضحكات ستزول حتما طال الوقت أو قصر يتبعها عذاب في الآخرة، أما أهل الإيمان فهم يخشون الله في الدنيا فيثيبهم الله في الآخرة، ويضحكون ضحكة خالدة مستمرة. إذن: فقوله تعالى: ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي: إنهم من فرط حقدهم عليكم وعلى إيمانكم، يحاولون أن يفتنوكم في دينكم حتى تنزلوا إلى مستواهم، تماما كأنماط السلوك التي بيناها من قبل. ثم يبين الحق سبحانه وتعالى أن الصف الإيماني لن يكون في منعة مما كان سيفعله هؤلاء المنافقون، فصحيح أنهم لم يخرجوا مع المؤمنين، ولكن هناك بين المؤمنين من كان يستمع لهم، ويقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين ﴾ وسمعت لفلان، أي: سمعت أذني ما قاله، وسمعت من فلان، أي: لصالح شخص آخر، أي: من يستمع منهم أو من يستمع أخباركم فهو ينقلها إليهم. إذن: فاللام تأتي بالمعنيين، فمن المؤمنين من كان سيسمع لهؤلاء المنافقين مما يحدث بلبلة في فكرهم، ومن هؤلاء المبلبلين للأفكار جواسيس لهم ينقلون إليهم أخبار المؤمنين ويعملون لحسابهم، وهناك من المؤمنين من سيسمع لهم أولا، فإذا أصيبوا بالخبل بدأوا في نقل أخبار المؤمنين إليهم، وهكذا جاءت " اللام " فاصلة بين " سمعت له " أو " سمعت من غيره لصالحه " ويزيد الله سبحانه هذا الأمر إيضاحا في قول الحق تبارك وتعالى:
إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما
[النساء: 105]. فنجد السطحي التفكير يقول: إن هذا تحذير من مخاصمة الخائنين خوفا من ألا يقدر عليهم، أو أن يزدادوا في إثمهم بسبب هذه الخصومة. ونقول: إنك لم تفهم المعنى، فالمعنى الواضح هو: لا تكن لصالح الخائنين خصيما، أي: لا تترافع عن الخائنين أو تدافع عنهم. وقوله تعالى ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ لأن الذي كان سيسمع، والذين سيسمع لصالحهم كلاهما ظالم والله عليم بهم. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ لقد ابتغوا الفتنة.. ﴾.