تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون

[العنكبوت: 41]. ويظهر الإعجاز الإلهي هنا في: أن الله سبحانه قد صد مجموعة كبيرة من المقاتلين الأقوياء بأوهى البيوت، وهو بيت العنكبوت، وقدرة الله تجلت في أن يجعل خيط العنكبوت أقوى من الفولاذ، وكذلك شاء الحق أن يبيض الحمام وهو أودع الطيور، وإن أهيج هاج. وهذا نصر، ثم هناك نصر ثالث نفسي وذاتي،

" فحين قال أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد في ثقة بربه: " ما ظنك باثنين الله ثالثهما ".

هذا الرد ينسجم مع سؤال أبي بكر لأن أبا بكر كان يخشى أنهم لو نظروا تحت أقدامهم لرأوا من في الغار، وكان الرد الطبيعي أن يقال: " لن يرونا " ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يلفتنا لفتة إيمانية إلى اللازم الأعلى، فقال:

" ما ظنك باثنين الله ثالثهما "

، لأنه ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في معية الله، والله لا تدركه الأبصار فمن في معيته لا تدركه الأبصار. وتكون كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعود أبو بكر منه الصدق في كل ما يقول، تكون هي الحجة على صدق ما قال، فعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه أسرى به إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء، قال أبو بكر: إن كان قد قال فقد صدق. فحين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر فيما يحكيه سبحانه: ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ ، فلا بد أن يذهب الحزن عن أبي بكر، وقد خشي سيدنا أبو بكر حين دخل الغار ووجد ثقوبا، خشي أن يكون فيها حيات، أو ثعابين، فأخذ يمزق ثوبه ويسد به تلك الثقوب حتى لم يبق من الثوب إلا ما يستر العورة، فسد الثقوب الباقية بيده وكعبه. إذن: فأبو بكر يريد أن يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه لأنه إن حدث شيء لأبي بكر فهو صحابي، أما إن حدث مكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالدعوة كلها تهدم. إذن: فأبو بكر لم يحزن عن ضعف إيمان، ولكنه حزن خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصاب بمكروه. ويأتي الحق سبحانه وتعالى فيقول: ﴿ لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ﴾ اختلف العلماء في قوله تعالى ﴿ عليه ﴾ ، هل المقصود بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو أن المقصود بها أبو بكر؟ وما دامت السكينة قد نزلت فلا بد أنه نزلت على قلب أصابه الحزن. ولكن العلماء يقولون: إن الضمائر في الآيات تعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحق قال: ﴿ إلا تنصروه ﴾ أي محمدا عليه الصلاة والسلام، وسبحانه يقول: ﴿ فقد نصره الله ﴾ أي محمدا صلى الله عليه وسلم، ويقول أيضا: ﴿ إذ أخرجه ﴾ أي محمدا صلى الله عليه وسلم، فكل الضمائر في الآية عائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم يأتي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ إذن: فلا بد أن يعود الضمير هنا أيضا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول: ولكن لماذا لا نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا ﴾ وهذا قول رسول الله ولا بد أن قوله يجعل السكينة تنزل على قلب أبي بكر. إذن: فالضمير هنا عائد على أبي بكر. ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وأيده بجنود لم تروها ﴾ وقد رأى الكفار عش الحمام وبيت العنكبوت، وهذا ما منعهم من أن يروا الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن ليس هذا هو المقصود - فقط - بالآية لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ بجنود لم تروها ﴾ والعنكبوت والحمام مرئيان، وأول الجنود غير المرئية هو أنه لم يخطر على بال القوم ولا فكرهم أن ينظروا في الغار، مع أن آثار الأقدام انتهت إليه. لكن الله طمس على قلوبهم وصرفهم عن هذه الفكرة بالذات، ولم تخطر على بالهم. ثم جاء حدث آخر حين استطاع سراقة بن مالك وهو من الكفار أن يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وهما في طريقهما إلى المدينة، وكلما حاول الاقتراب منهما ابتلعت الأرض قوائم فرسه في الرمال، وعلى أية حال ما دام الحق سبحانه وتعالى قال: ﴿ بجنود لم تروها ﴾ وقال في آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٨٩